الأمثل / الجزء السادس / صفحة -486-
ألف ـ يعتقد البعض أنّ هذا التفاوت من قبيل التنازل من مرحلة عُليا إِلى مرحلة أقل على سبيل المثال، أن يقول قائل لآخر: إِذا كنتَ ماهرًا مثلي في فن الكتابة والشعر فاكتب كتابًا ككتابي وهات ديوان شعر كديواني، ثمّ يتنازل ويقول فهات فصلا مثل فصول كتابي، إِلى أن يتحدّاه بأن يأتي بصفحة مثل صفحاته.
ولكن هذا الجواب يكون صحيحًا في صورة ما لو كانت سور الإِسراء وهود ويونس والبقرة قد نزلت بهذا الترتيب، كما هو منقول في كتاب «تأريخ القرآن» عن الفهرست لابن النديم، لأنّه يقول إِنّ سورة الإِسراء رقمها في السور (48) ، وسورة هود (49) ، وسورة يونس (51) ، والبقرة هي السورة التسعون النازلة على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولكن هذا الكلام لاينسجم مع ترتيب السور في التفاسر الإِسلامية.
ب ـ يرى البعض أن ترتيب السور الآنفة رغم عدم توافقها مع ترتيب التحدي من الأعلى الى الأدنى، ولكن نعلم أنّ جميع آيات السورة الواحدة لم تنزل مجموعة في آن واحد، فبعض الآيات كانت تتأخر في النزول مدة ثمّ يُلحقها النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسورة الفلانية بحسب تناسبها معها، وفي محل كلامنا هذا يمكن أن يكون الأمر كذلك، وعلى هذا فإنّ تاريخ السور لا يتنافى مع التنزّل، أو التنازل من مرحلة عليا إِلى مرحلة دنيا.
ج ـ هناك احتمال آخر لحل هذا الإِشكال هو أنّ أجزاء «القرآن» أجزاء تطلق على الكل وعلى البعض منه، فنحن نقرأ في الآية الأُولى من سورة الجن (إِنّا سمعنا قرآنًا عجبًا) وواضح أنّهم سمعوا بعض القرآن لا أنّهم سمعوا القرآن كلّه، ولفظ القرآن في الأساس مشتق من القراءة، ومن المعلوم أنّ القراءة والتلاوة تصدق على جميع القرآن وعلى جزء منه أيضًا، فعلى هذا يكون التحدي بـ «مثل القرآن» غير مقصود به التحدي بالإِتيان بمثل جميع القرآن، وهو ينسجم بهذا المعنى مع التحدي بعشر سور منه أو حتى بسورة واحدة.