الأمثل / الجزء الثامن / صفحة -435-
أنَّ مفهوم الإِيمان داخل ضمنهُ، ولكن يجب عدم الإِكتفاء بهذا المقدار مِن الدلالة الإِلتزامية للإِيمان، بل وينبغي التوسع في شرطِ الإِيمان، بحكم أنَّ (الإِيمان) يعتبر أمرًا أساسيًا، وركنًا مهمًّا في هذا الطريق.
والملاحظ هنا، أنَّ الآية تخاطب عبيد الدنيا بالقول: (جعلنا لهُ جهنَّم) بينما عندما تنتقل إِلى طُلاّب الآخرة وعشّاقها ومريدها، فهي تخاطبهم بالقول: (فأُولئكَ كانَ سعيهم مشكورًا) . إِنَّ استخدام هذا التعبير أشمل وأجمل مِن استخدام أي تعبير آخر، مثل (جزاءهم الجنّة) لأنَّ الشكر من أي شخص هو بمقدار شخصيته ومكانته لا بمقدار العمل الذي تمَّ، لذا فإِنَّ شكر اللّه لسعي عباده يتناسب مع ذاته اللامتناهية، ونعمه المادية والمعنوية وما نتصوره وما نعجز عن تصوّره.
وبالرغم من أنَّ بعض المفسّرين قد فسّروا كلمة «مشكورًا» في هذه الآية بمعنى «الأجر المضاعف» (1) . أو بمعنى «قبول العمل» (2) ، إِلاّ أنَّهُ مِن الواضح أن كلمة «مشكورًا» لها معنى أوسع مِن هذه المعاني جميعًا.
وقد يتوهم البعض ويلتبس عليه الأمر، ظانًا أنّ نعم الدنيا هي من نصيب عبيدها وطلابها فقط، وأنَّ طلاّب الآخرة وأهلها محرومون مِنها، لذلك فإِنَّ الآية التي بعدها تقف أمام هذا اللبس، وتمنع هذا الظن، عندما تقول: (كلا نمدّ هؤلاء مِن عطاء ربّك) لتضيف بعدها بقليل: (وما كان عطاء ربك محظورًا) .
نمدُّ هنا مِن «الإِمداد» بمعنى الزيادة.
الآية التي بعدها تشير إِلى أصل مهم في هذا الخصوص و تقول: كما أن السعي في هذه الدنيا متفاوت، وتتفاوت معه الأجور; فكذلك الأمر في الآخرة: ولكن التفاوت الدنيوي محدود، لأنَّ الدنيا هي نفسها محدودة، وأمّا الآخرة ـ ولكونها
1 ـ يُراجع في هذا الشأن تفسير القرطبي، ج 6، ص 3852.
2 ـ راجع تفسير الصافي عند الحديث عن هذه الآية.