الأمثل / الجزء العاشر / صفحة -152-
الملائكة مطّلعون على هذا الموضوع، وهو أنّ لله إحاطة علمية بهم، وهذا العرفان هو السبب في أنّهم لا يسبقونه بالقول، ولا يعصون أمره، ولهذا فإنّ هذه الجملة يمكن أن تكون بمثابة تعليل للآية السابقة.
5 ـ ولا شكّ أنّ هؤلاء الذين هم عباد الله المكرمون المحترمون يشفعون للمحتاجين، لكن ينبغي الإلتفات إلى أنّ هؤلاء (ولا يشفعون إلاّ لمن إرتضى) ومن المسلّم أنّ رضى الله وإذنه في الشفاعة لا يمكن أن يكون أي منهما إعتباطيًا، بل لابدّ أن يكون من أجل الإيمان الحقيقي، أو الأعمال التي تحفظ علاقة الإنسان بالله.
وبتعبير آخر، فإنّ من الممكن أن يتلوّث الإنسان بالمعصية، إلاّ أنّه إذا لم يقطع علاقته بالله وأوليائه تمامًا، فإنّ الشفاعة تؤمّل في حقّه. أمّا إذا قطع علاقته تمامًا من ناحية الإتّجاه الفكري والعقائدي، أو أنّه غرق في المعاصي والإنحراف من الناحية العملية، إلى الحدّ الذي يفقد معه لياقة الشفاعة أو إستحقاقها، ففي هذه الحال سوف لا يشفع له أي نبي مرسل أو ملك مقرّب.
إنّ هذا هو نفس المطلب الذي أوردناه في بحث فلسفة الشفاعة ضمن البحوث السابقة، بأنّ الشفاعة هي طريق لتهذيب الإنسان، ووسيلة لإرجاع المذنبين إلى الصراط المستقيم، والمنع من اليأس أو القنوط، والذي هو بنفسه عامل للإنزلاق والغرق في الإنحراف والمعصية.
إنّ الإيمان بمثل هذه الشفاعة يبعث على بقاء إرتباط المذنبين بالله ورسله والأئمّة، ولا يهدموا كلّ الجسور خلفهم، ويحفظوا خطّ الرجعة (1) .
ثمّ إنّ هذه الجملة تجيب ضمنًا اُولئك الذين يقولون: إنّنا نعبد الملائكة لتشفع لنا عند الله، فيقول القرآن لهم: إنّ هؤلاء لا يقدرون على فعل شيء من تلقاء
1 ـ بحثنا في مجال الشفاعة بصورة مفصّلة في ذيل الآيتين (48 و254) من سورة البقرة، فراجع.