الأمثل / الجزء الحادي عشر / صفحة -197-
صلّى الله عليه وآله وسلّم أوّلا بالإِفتراء والكذب، خاصّة وأنّهم قد استخدموا لفظة «هذا» ليحقروا القرآن.
ثمّ من أجل أن يثبتوا أنّه غير قادر على الإِتيان بمثل هذا الكلام ـ لأنّ الإِتيان بمثل هذا الكلام المبين مهما يكن بحاجة إلى قدرة علمية وافرة، وما كانوا يريدون التسليم بهذا ـ ومن أجل أن يقولوا أيضًا: إنّ هذا خطّة مدبرة ومحسوبة، قالوا: إنّه لم يكن وحده في هذا العمل، بل أعانه قوم آخرون، وهذه مؤامرة بالتأكيد، ويجب الوقوف بوجهها.
بعض المفسّرين قالوا: إنّ المقصود بـ (قوم آخرون) جماعة من اليهود.
وقال آخرون: إنّ المقصود بذلك ثلاثة نفر كانوا من أهل الكتاب، وهم: «عداس» و «يسار» و «حبر» أو «جبر» .
على أية حال ـ بما أنّ هذه المواضيع لم يكن لها وجود في أوساط مشركي مكّة، وإنّ قسمًا منها مثل قصص الأنبياء الأولين كان عند اليهود وأهل الكتاب ـ فقد كان المشركون مضطرين الى نسبة هذه المطالب الى أهل الكتاب كي يخمدوا موجة إعجاب الناس من سماع هذه الآيات.
لكن القرآن يردُّ عليهم في جملة واحدة فقط، تلك هي: (فقد جاؤوا ظلمًا وزورًا) . (1)
«الظلم» هنا لأنّ رجلا أمينًا طاهرًا وصادقًا مثل الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) اتّهموه بالكذب والإِفتراء على الله، وبالإِشتراك مع جماعة من أهل الكتاب. فظلموا أنفسهم والناس أيضًا.
و «الزور» هنا أن قولهم لم يكن له أساس مطلقًا، لأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاهم عدّة مرات إلى الإِتيان بسورة وآيات مثل القرآن، فعجزوا وضعفوا أمام هذا التحدي.
1 ـ «جاؤا»
من مادة «مجيء» : يراد بها عادة معنى «القدوم» ، لكنّها وردت هنا بمعنى «الإتيان»
، كما نقرأ أيضًا في الآية (81) سورة يونس أن موسى (عليه السلام)
قال للسحرة «ما جئتم به السحر» .