الأمثل / الجزء الثاني عشر / صفحة -79-
من تغييرات.. فقالت مباشرة: (وأوتينا العلم من قبلها وكنّا مسلمين ) .
أي، إذا كان مراد سليمان (عليه السلام) من هذه المقدمات هو اطلاعنا على معجزته لكي نؤمن به، فإنّنا كنّا نعرف حقانيته بعلائم أخر.. كنّا مؤمنين به حتى قبل رؤية هذا الأمر الخارق للعادة فلم تكن حاجة إلى هذا الامر.
وهكذا فأنّ سليمان (عليه السلام) منعها (وصدّها ما كانت تعبد من دون الله ) (1) بالرغم من (أنّها كانت من قوم كافرين ) .
أجل، إنّها ودعت ماضيها الأسود برؤية هذه العلائم المنيرة، وخَطت نحو مرحلة جديدة من الحياة المملوءة بنور الإيمان واليقين.
وفي آخر آية من الآيات محل البحث يجري الكلام عن مشهد آخر من هذه القصّة، وهو دخول ملكة سبأ قصر سليمان الخاص.
وكان سليمان (عليه السلام) قد أمر أن تصنع إحدى ساحات قصوره من قوارير، وأن يجري الماء من تحتها.
فلمّا وصلت مَلكة سبأ إلى ذلك المكان (قيل لها أدخلي الصرح ) (2) فلما رأته
ظنته نهرًا جاريًا فرفعت ثوبها لتمر وسط الماء وهي متعجبة عن سبب وجود هذا الماء الجاري، وكما يقول القرآن: (فلما رأته حسبته لجةً وكشفت عن ساقيها ) (3) .
1 ـ للمفسّرين أقوال مختلفة في فاعل (صدّ) وأنّ (ما) هل هي موصولة أو مصدرية، فقال جماعة من المفسّرين. إن الفاعل هو سليمان كما بيّناه في المتن، وبعضهم قال: بل هو الله، والنتيجة تكاد تكون واحدة وطبقًا لهذين التّفسيرين تكون «ها» مفعولا أوّلا و (ما كانت) مكان المفعول الثّاني، وإن كان أصلها جارًا ومجرورًا، أي وصدها سليمان أو الله عما كانت تعبد من دون الله. إلاّ أن جماعة ذهبوا إلى أن فاعل صدّ، هو (ما كانت) ، لكن حيث أن الكلام عن إيمانها لا كفرها فالتّفسير الأوّل أنسب.. وأمّا كلمة (ما) فقد تكون موصولة.. أو مصدرية.
2 ـ «صَرْحُ» معناه الفضاء الواسع، وقد يأتي بمعنى البناء العالي والقصر وفي الآية المشار إليها آنفًا معناه ساحة القصر أي فضاءه الواسع ظاهرًا.
3 ـ «اللّجة» في الاصل مأخوذة من اللجاج، ومعناه الشدّة، ثمّ أطلق على ذهاب الصوت وإيابه في الحنجرة تعبير (لجة) على وزن (ضجة) ، أمّا الأمواج المتلاطمة فىُ البحر فتسمى (لُجة) على وزن (جُبة) وهي هنا في الآية بهذا المعنى الأخير.