الأمثل / الجزء الثالث عشر / صفحة -439-
في هذا المقطع من الآيات يجرّ القرآن المشركين في الواقع إلى المحاكمة، وبالضربات الماحقة للأسئلة المنطقية، يحشرهم في زاوية ضيّقة، ثمّ يبيّن تفسّخ منطقهم الواهي بخصوص شفاعة الأصنام.
في هذه المجموعة من الآيات، خوطب الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) خمس مرّات، وقيل له: (قل) لهم ... وفي كلّ مرّة تعرض الآيات مطلبًا جديدًا يتعلّق بمصير الأصنام وعبّادها، بشكل يُشعر معه بأن ليس هناك عقيدة أفرغ ولا أجوف من عبادة الأصنام، بل لا يمكن أساسًا تسمية هذه العبادة (عقيدة) أو (مذهبًا) .
في الآية الاُولى يقول تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) (1) ولكن اعلموا أنّ هذه الأصنام أو الشركاء لا يستجيبون لدعائكم أبدًا، ولا يحلّون لكم مشكلة، ثمّ تنتقل الآية إلى عرض الدليل على هذا القول، فيقول تعالى: لأنّهم (لا يملكون مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير) .
فلو كانوا يستطيعون شيئًا لكان لهم أحد هذه الأوصاف الثلاثة: إمّا مالكية مستقلّة لشيء في السماء أو الأرض، أو على الأقل مشاركة مع الله في أمر الخلق، أو معاونة الخالق في شيء من هذه الاُمور.
في حال أنّ الواضح هو أنّ «واجب الوجود» واحد لا غير، والباقون جميعهم «ممكن الوجود» مرتبطون به. ولو قطع الله تعالى نظر لطفه عنهم لحظة لأحلّهم دار البوار والعدم.
واللطيف هو قوله تعالى: (مثقال ذرّة في السموات والأرض) ، فموجودات لا تملك في هذه السماء اللامحدودة، وهذه الأرض المترامية الأطراف ما يعادل «مثقال ذرّة» ، فأي مشكلة يمكنها حلّها لنفسها، ناهيك عن سواها!!
1 ـ في الحقيقة إنّ في الجملة مستترين: الأوّل بعد «زعمتم» تقديره «أنّهم آلهة» والثّاني بعد «من دون الله» تقديره «لا يستجيبون دعاءكم» والجملة تكون هكذا «قل ادعوا الذين زعمتم أنّهم آلهة من دون الله لا يستجيبون لكم» .