الأمثل / الجزء الخامس عشر / صفحة -498-
واستدلالاته المنطقية، أو قوانينه الإجتماعية، وحتى برامجه لتهذيب النفوس وتكامل البشر... كلّ ذلك يعتبر دليلا على حقانيته.
إنّ هذا المحتوى العظيم ـ بهذا العمق ـ من شخص أُمّي لا يعرف القراءة والكتابة، وقد نشًا في مجتمع يعتبر من أكثر المجتمعات تخلفًا، يعتبر بحدّ ذاته دليلا على عظمة الخالق، ووجود عالم ما وراء الطبيعة، وحقانية من جاءبه.
وهكذا فإنّ الجملة أعلاه تعتبر جوابًا للمشركين ولأهل الكتاب.
وبما أن نتيجة كلّ هذه الأمور، خاصة ظهور الحق بشكل كامل والعدالة والميزان تتّضح في يوم القيامة، لذا فإن الآية تقول في نهايتها: (وما يدريك لعل الساعة قريب) .
فالقيامة عندما تقام يحضر الجميع في محكمة عدله، ويواجهون الميزان الذي يقيس حتى حبّة الخردل أو أصغر منها.
ثم يشير القرآن إلى موقف الكفار والمؤمنين حيال القيامة، فتقول الآية: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) .
فهؤلاء لا يقولون ذلك بسبب عشقهم للقيامة والوصول إلى لقاء المحبوب أبدًا، إنّ كلامهم هذا من قبيل الإستهزاء والإنكار، ولو كانوا يعلمون ما سيحل عليهم يوم القيامة لم يطلبوا مثل هذا الأمر.
(والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنّها الحق) (1) .
طبعًا لحظة قيام القيامة خافية على الجميع، حتى بالنسبة للأنبياء المرسلين والملائكة المقربين، ليكون هذا الأمر أسلوبًا تربويًا مستمرًا للمؤمنين، واختبارًا واتمام حجة للمنكرين، ولكن لا يوجد أي شك في أصل وقوعها.
1 ـ «مشفقون» من كلمة (إشفاق) وتعني العلاقة المقترنة مع الخوف، فمتى ما تعدت بحرف (من) يطغى جانب الخوف عليها، وعندما تتعدى بحرف (على) يطغى جانب الإنتباه والمراقبة عليها، ولذا فإن الإنسان يقول لصاحبه وصديقه: «أنا مشفق عليك» (تفسير روح المعاني ومفردات الراغب) .