الأمثل / الجزء السادس عشر / صفحة -563-
وتعدّها معيارها الشخصي!
وحيث أنّ هذه الأُمور جميعها أمور متزلزلة ومسائل ذاتية ومادية وعابرة فإنّ مبدأ سماويًا كمبدأ الإسلام لا يمكنه أن يوافق عليها أبدًا.. لذلك يشطب عليها بعلامة البطلان ويعتبر القيمة الحقيقية للإنسان في صفاته الذاتية وخاصة تقواه وطهارة قلبه والتزامه الديني.
حتى أنّه لا يكترث بموضوعات مهمّة كالعلم والثقافة إذا لم تكن في خطّ «الإيمان والتقوى والقيم الأخلاقية» ...
ومن العجيب أن يظهر القرآن في محيط يهتمّ بالقيمة القبلية أكثر من اهتمامه بالقيم الأُخرى، إلاّ أنّ القرآن حطّم هذه الوثنية وحرّر الإنسان من أسر العِرق والدم والقبيلة واللون والمال والمقام والثروة وقاده إلى معرفة نفسه والعثور على ضالّته داخل نفسه وصفاتها العليا.
الطريف أنّ في ما ذُكر في شأن نزول الآية محل البحث لطائف ودقائق تحكي عن عمق هذا الدستور الإسلامي.
منها: إنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر «بلالًا» بعد فتح مكّة أن يؤذّن، فصعد بلال وأذّن على ظهر الكعبة، فقال «عتّاب بن أسيد» الذي كان من الأحرار: أشكر الله أن مضى أبي من هذه الدنيا ولم يرَ مثل هذا اليوم.. وقال «الحارث بن هشام» : ألم يجدْ رسول الله غير هذا الغراب الأسود للأذان؟! «فنزلت الآية الآنفة وبيّنت معيار القيم الواقعية» (1) .
وقال بعضهم: نزلت الآية عندما أمر الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بتزويج بعض الموالي من بنات العرب «والموالي تطلق على العبيد الذين عُتقوا من ربقة أسيادهم أو على غير العرب (المسلمين) » . فتعجّبوا وقالوا: يا رسول الله أتأمرنا أن نزوّج بناتنا من
1 ـ روح البيان، ج9، ص90، كما ورد في تفسير القرطبي، ص6160، ج9.