الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة -104-
( إنّ الله سميع بصير) نعم إنّ الله عالم بكلّ المسموعات والمرئيات، بدون أن يحتاج إلى حواس نظر أو سمع، لأنّه حاضر وناظر في كلّ مكان، يرى كلّ شيء ويسمع كلّ حديث.
ثمّ يستعرض تعالى حكم الظهار بجمل مختصرة وحاسمة تقضي بقوّة على هذا المفهوم الخرافي حيث يقول سبحانه: ( الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أُمّهاتهم إن اُمّهاتهم إلاّ اللائي ولدنهم) .
«الاُمّ» و «الولد» ليس بالشيء الذي تصنعه الألفاظ، بل إنّهما حقيقة واقعية عينية خارجية لا يمكن أن تكون من خلال اللعب بالألفاظ، وبناءً على هذا فإذا حدث أن قال الرجل لزوجته مرّةً: (أنت عليّ كظهر اُمّي) فإنّ هذه الكلمة لا تجعل زوجته بحكم والدته، إنّه قول هراء وحديث خرافة.
ويضيف تعالى مكمّلا الآية: ( وإنّهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا) (1) .
وبالرغم من أنّ قائل هذا الكلام لا يريد بذلك الإخبار، بل إنّ مقصوده إنشائي، يريد أن يجعل هذه الجملة بمنزلة (صيغة الطلاق) إلاّ أنّ محتوى ذلك واه، ويشبه بالضبط خرافة (جعل الولد) حين كانوا في زمن الجاهلية يتبنّون طفلا معيّنًا كولد لهم، ويجرون أحكام الولد عليه، حيث أدان القرآن الكريم هذه الظاهرة وإعتبرها عملا باطلا ولا أساس له، حيث يقول عزّوجلّ: ( ذلك قولهم بأفواههم) (2) ، وليس له أي واقعية.
وتماشيًا مع مفهوم هذه الآية فإنّ «الظهار» عمل محرّم ومنكر، ومع أنّ التكاليف الإلهية لا تشمل الممارسات السابقة، إلاّ أنّها ملزمة لحظة نزول الحكم، ولابدّ عندئذ من ترتيب الأثر، حيث يضيف الله سبحانه هذه الآية: ( وإنّ الله لعفو
1 ـ «زور» في الأصل بمعنى الإنحناء الموجود على الصدر وجاءت أيضًا بمعنى الإنحراف، ولأنّ حدود الكذب والباطل منحرفة عن الحقّ، فيقال له (زور) كما يطلق على الصنم أيضًا بهذا اللحاظ.
2 ـ الأحزاب، الآية 4.