الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 303
من عذاب أليم .
بالرغم من أن الإيمان والجهاد من الواجبات المفروضة ، إلا أن الآيات هنا لم
تطرحها بصيغة الأمر . بل قدمتها بعرض تجاري مقترن بتعابير تحكي اللطف
اللامتناهي للبارئ عز وجل ، ومما لا شك فيه فإن ( النجاة من العذاب الأليم ) من
أهم أمنيات كل إنسان .
ولذا فإن السؤال المثار هو: هل تريدون من يدلكم على تجارة تنجيكم من
عذاب أليم ؟ وهو سؤال مثير لانتباه الجميع ، وقد بادر في نفس الوقت وبدون
انتظار للإجابة متحدثا عن هذه التجارة المتعددة المنافع ، حيث يضيف تعالى:
تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ( 1 ) .
ومما لا شك فيه أن الله سبحانه غني عن هذه التجارة النافعة وأن جميع
منافعها تعود على المؤمنين ، لذا يقول في نهاية الآية: ذلكم خير لكم إن كنتم
تعلمون .
والجدير بالملاحظة هنا أن المخاطب هم المؤمنون بقرينة قوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا لكنه في الوقت نفسه يدعوهم إلى الإيمان والجهاد .
وربما كان هذا التعبير إشارة إلى أن الإيمان يلزم أن يكون عميقا وخالصا لله
سبحانه ، حتى يستطيع أن يكون منبعا لكل خير ، وحافزا للإيثار والتضحية
والجهاد ، وبذا لا يعتد بالإيمان الاسمي السطحي .
أو أن التأكيد على الإيمان بالله ورسوله هنا ، هو شرح لمفهوم الإيمان الذي
عرض بصورة إجمالية في بداية الآية السابقة .
وعلى كل حال فإن الإيمان بالرسول لا ينفصل عن الإيمان بالله تعالى ، كما
أن الجهاد بالنفس لا ينفصل عن الجهاد بالمال ، ذلك أن جميع الحروب تستلزم
1 -جملة: ( تؤمنون بالله ) جملة استئنافية تفسر التجارة ، واعتبر البعض أنها عطف بيان ، وعلى كل حال فإن هذه( الجملة
الخبرية )لها معنى الأمر .