الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 304
وجود الوسائل والإمكانات المالية ، ومن هنا فإننا نلاحظ أن البعض قادر على
الجهاد بكلا النوعين ( النفس والمال ) وآخرين قادرون على الجهاد بالمال فقط
وفي المواقع الخلفية للجبهة ، وبعض آخر مستعد للجهاد بالنفس والجود بها في
سبيل الله لأنهم لا يملكون سواها .
إلا أن الضرورة تستلزم أن يكون هذان النوعان من الجهاد توأمين متلازمين
كل منهما مع الآخر لتحقيق النصر ، وعند التدقيق في الآية المباركة نلاحظ أنه
تعالى قد قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس ، لا باعتباره أكثر أهمية ، بل
بلحاظ أنه مقدمة للجهاد بالنفس ، لأن مستلزمات الجهاد لا تتهيأ إلا عند توفر
الإمكانات المادية .
لقد تم تسليط الأضواء على ثلاثة عناصر أساسية في هذه التجارة العظيمة
والتي لا مثيل لها .
( فالمشتري ) هنا هو الله سبحانه ، و ( البائع ) هم المؤمنون ، و ( البضاعة ) هي
الأنفس والأموال . ويأتي دور العنصر الرابع في هذه الصفقة وهو الثمن والعوض
لهذه المعاملة العظيمة .
يقول تعالى: يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار
ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم ( 1 ) .
وتستعرض الآية مرحلة الجزاء الأخروي في البداية حيث غفران الذنوب
باعتبارها أهم عوامل القلق وعدم الراحة الفكرية والنفسية للإنسان ، وعندما
يتحقق الغفران له فمن المسلم أن الراحة والهدوء والاطمئنان تنشر ظلالها عليه .
ومن هنا نلاحظ أن أول هدية يتحف الله سبحانه بها عباده الذين استشهدوا
1 -جملة ( يغفر لكم ) هي بمنزلة ( جزاء ) لشرط محذوف مستفاد من الآية السابقة وفي التقدير هكذا: وإن تؤمنوا بالله
ورسوله وتجاهدوا في سبيله . . يغفر لكم ذنوبكم . . . ) كما يحتمل - أيضا - أن الجملة جواب ( لأمر ) ذلك الأمر مستفاد من
الجملة الخبرية ( تؤمنون ) و ( تجاهدون ) .