الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 363
الله ، وكل الخلق عياله . وأن تقاسم الأنصار لأموالهم مع المهاجرين إنما هو من
دواعي الافتخار والإعتزاز ، ولا ينبغي أن يمنوا به على أحد .
ثم يقول تعالى في إشارة أخرى إلى مقالة أخرى سيئة من مقالاتهم
يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .
وهذا نفس الكلام الذي أطلقه"عبد الله بن أبي"، ويريدون من ورائه أنهم أهل
المدينة الأصليون الذين سيخرجون منها الرسول وأصحابه من المهاجرين ، بعد
عودتهم من غزوة بني المصطلق التي مرت الإشارة إليها .
ورغم أن هذا الحديث صدر عن رجل واحد ، لكنه كان لسان حال المنافقين
جميعا ، وهذا ما جعل القرآن يعبر عنهم بشكل جماعي"يقولون . . ."فيردهم ردا
حازما إذ يقول: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون .
ولم يكن منافقو المدينة وحدهم الذين رووا هذا الكلام ، بل سبقهم إلى ذلك
رؤساء قريش عندما قالوا:( سينتهي أمر هذه المجموعة القليلة الفقيرة من
المسلمين إذا حاصرناهم اقتصاديا أو أخرجناهم من مكة ).
وهكذا نرى اليوم الدول المستكبرة وهي تحذر الشعوب التي ترفض
الخضوع لسيطرتها ، بأنها تملك الدنيا وخزائنها ، فإن لم تخضع لها تحاصر
اقتصاديا لتركيعها .
وهؤلاء هم الذين طبع على قلوبهم واتخذوا منهجا واحدا على مدى التاريخ ،
وظنوا أن ما لديهم باق ، ولم يعلموا أن الله قادر على إزالته وإزهاقه بلمحة بصر .
وهذا النمط من التفكير( رؤية أنفسهم أعزاء والآخرين أذلاء وتوهم أنهم
أصحاب النعمة والآخرون محتاجون إليهم )هو تفكير نفاقي متولد من التكبر
والغرور من جهة ، وتوهم الاستقلال عن الله عز وجل من جهة أخرى ، فلو أنهم
أدركوا حقيقة العبودية ومالكية الله لكل شئ فمن المحال أن يقعوا في ذلك التوهم
الخطير . .