الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 380
والحاكمية على عالم الوجود كافة ، ولهذا السبب: وله الحمد وهو على كل شئ
قدير .
ولا حاجة للحديث عن تسبيح المخلوقات جميعا لله الواحد الأحد بعد أن
تطرقنا إلى ذلك في مواضع عديدة ، وهذا التسبيح ملازم لقدرته على كل شئ
وتملكه لكل الأشياء ، ذلك لأن كل أسرار جماله وجلاله مطوية في هذين
الأمرين .
ثم يشير تعالى إلى أمر الخلقة الملازم لقدرته ، إذ يقول تعالى: هو الذين
خلقكم وأعطاكم نعمة الحرية والاختيار فمنكم كافر ومنكم مؤمن .
وبناء على هذا فإن الامتحان الإلهي يجد له في هذا الجو مبررا كافيا ومعنى
عميقا والله بما تعملون بصير .
ثم يوضح مسألة الخلقة أكثر بالإشارة إلى الهدف منها ، إذ يقول في الآية
اللاحقة: خلق السماوات والأرض بالحق .
فإن هذا الخلق الحق الدقيق ينطوي على غايات عظيمة وحكمة بالغة ،
حيث يقول تعالى في الآية ( 27 ) من سورة ص: وما خلقنا السماء والأرض وما
بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا .
ثم يتحدث القرآن الكريم عن خلق الإنسان ، ويدعونا بعد آيات الآفاق إلى
السير في آفاق الأنفس ، يقول تعالى: وصوركم فأحسن صوركم . لقد صور
الإنسان بأحسن الصور وأجملها ، وجعل له من المواهب الباطنية الفكرية
والعقلية ما جعل العالم كله ينطوي فيه . وأخيرا تنتهي الأمور إليه تعالى وإليه
المصير .
نعم ، إن هذا الإنسان الذي هو جزء من عالم الوجود ، ينسجم من ناحية
الخلقة والفطرة مع سير هذا العالم أجمع وغاية الوجود ، حيث يبدأ من أدنى
المراتب ويرتقي إلى اللامحدود حيث القرب من الحق تبارك وتعالى .