الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 464
الإشارة إليها في الآيات السابقة - بل إنهم كانوا يساهمون في إشاعة تلك الأخبار
وإذاعتها بشكل أوسع ، نظرا لكل ذلك فقد خاطب القرآن الكريم الرسول بأن
يشدد على المنافقين والكافرين ويغلظ عليهم . حيث يقول: يا أيها النبي جاهد
الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير .
الجهاد ضد الكفار قد يكون مسلحا أو غير مسلح ، أما الجهاد ضد المنافقين
فإنه بدون شك جهاد غير مسلح ، لأن التاريخ لم يحدثنا أبدا عن أن الرسول
خاض مرة معركة مسلحة ضد المنافقين . لهذا ورد في الحديث
عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) :"إن رسول الله لم يقاتل منافقا قط إنما يتألفهم" ( 1 ) .
وبناء على ذلك فإن المراد من الجهاد ضد المنافقين إنما هو توبيخهم
وإنذارهم وتحذيرهم ، بل وتهديدهم وفضحهم ، أو تأليف قلوبهم في بعض
الأحيان . فللجهاد معنى واسع يشمل جميع ذلك . والتعبير ب"أغلظ عليهم"إشارة
إلى معاملتهم بخشونة وفضحهم وتهديدهم ، وما إلى ذلك .
ويبقى هذا التعامل الخاص مع المنافقين ، أي عدم الصدام المسلح معهم ، ما
داموا لم يحملوا السلاح ضد الإسلام وذلك بسبب أنهم مسلمون في الظاهر ،
وتربطهم بالمسلمين روابط كثيرة لا يمكن معها محاربتهم كالكفار ، أما إذا حملوا
السلاح فيجب أن يقابلوا بالمثل ، لأنهم سوف يتحولون إلى ( محاربين ) .
ولم يحدث مثل ذلك أيام حياة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لكنه حدث في خلافة أمير
المؤمنين علي ( عليه السلام ) حيث خاض ضدهم معركة مسلحة .
وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود من"الجهاد ضد المنافقين"الذي
ورد ذكره في الآية السابقة هو إجراء الحدود الشرعية بحقهم ، فإن أكثر الذين كانوا
تجرى عليهم الحدود هم من المنافقين . ولكن لا دليل على ذلك ، كما لا دليل على
1 -مجمع البيان ، ج 10 ، ص 331 .