الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 477
يقول تعالى: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير .
"تبارك": من مادة ( بركة ) في الأصل من ( برك ) على وزن ( ترك ) بمعنى( صدر
البعير )، وعندما يقال: ( برك البعير ) يعني وضع صدره على الأرض . ثم استعملت
الكلمة بمعنى الدوام والبقاء وعدم الزوال ، وأطلقت كذلك على كل نعمة باقية
ودائمة ، ومن هنا يقال لمحل خزن الماء ( بركة ) لأن الماء يبقى فيها مدة طويلة .
وقد ذكرت الآية أعلاه دليلا ضمنيا على أن الذات الإلهية مباركة ، وهو
مالكيته وحاكميته على الوجود ، وقدرته على كل شئ ، ولهذا السبب فإن وجوده
تعالى كثير البركة ولا يعتريه الزوال .
ثم يشير سبحانه في الآية اللاحقة إلى الهدف من خلق الإنسان وموته
وحياته ، وهي من شؤون مالكيته وحاكميته تعالى فيقول: الذي خلق الموت
والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا .
"الموت": حقيقته الانتقال من عالم إلى عالم آخر ، وهذا الأمر وجودي
يمكن أن يكون مخلوقا ، لأن الخلقة ترتبط بالأمور الوجودية ، وهذا هو المقصود
من الموت في الآية الشريفة ، أما الموت بمعنى الفناء والعدم فليس مخلوقا ، لذا
فإنه غير مقصود .
ثم إن ذكر الموت هنا قبل الحياة هو بلحاظ التأثير العميق الذي يتركه
الالتفات إلى الموت ، وما يترتب على ذلك من سلوك قويم وأعمال مقترنة بالطاعة
والالتزام ، إضافة إلى أن الموت كان في حقيقته قبل الحياة .
أما الهدف من الامتحان فهو تربية الإنسان كي يجسد الاستقامة والتقوى
والطهر في الميدان العملي ليكون لائقا للقرب من الله سبحانه ، وقد بحثنا ذلك
مفصلا فيما سبق ( 1 ) .
1 -يمكن مراجعة الشرح الوافي حول الامتحانات الإلهية في تفسير الآية ( 155 ) من سورة البقرة .