الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 520
وبناء على هذا فإن الحرف المقطع هنا لا يختلف عن تفسير بقية الحروف
المقطعة والتي أشرنا إليها سابقا .
ثم يقسم تعالى بموضوعين يعتبران من أهم المسائل في حياة الإنسان ،
فيقول تعالى: والقلم وما يسطرون .
كم هو قسم عجيب ؟ وقد يتصور أن القسم هنا يتعلق ظاهرا بمواضيع صغيرة ،
أي قطعة من القصب - أو شئ يشبه ذلك - وبقليل من مادة سوداء ، ثم السطور
التي تكتب وتخط على صفحة صغيرة من الورق .
إلا أننا حينما نتأمل قليلا فيه نجده مصدرا لجميع الحضارات الإنسانية في
العالم أجمع ، إن تطور وتكامل العلوم والوعي والأفكار وتطور المدارس الدينية
والفكرية ، وبلورة الكثير من المفاهيم الحياتية . . كان بفضل ما كتب من العلوم
والمعارف الإنسانية في الحقول المختلفة ، مما كان له الأثر الكبير في يقظة الأمم
وهداية الإنسان . . وكان ذلك بواسطة ( القلم ) .
لقد قسمت حياة الإنسان إلى عصرين: ( عصر التأريخ ) و( عصر ما قبل
التأريخ )وعصر تأريخ البشر يبدأ منذ أن اخترع الإنسان الخط واستطاع أن يدون
قصة حياته وأحداثها على الصفحات ، وبتعبير آخر ، يبدأ عندما أخذ الإنسان القلم
بيده ، ودون للآخرين ما توصل إليه ( وما يسطرون ) تخليدا لماضيه .
وتتضح عظمة هذا القسم بصورة أكثر عندما نلاحظ أن هذه الآيات المباركة
حينما نزلت لم يكن هنالك كتاب ولا أصحاب قلم ، وإذا كان هنالك أشخاص
يعرفون القراءة والكتابة ، فإن عددهم في كل مكة - التي تمثل المركز العبادي
والسياسي والاقتصادي لأرض الحجاز - لم يتجاوز ال ( 20 ) شخصا . ولذا فإن
القسم ب ( القلم ) في مثل ذلك المحيط له عظمة خاصة .
والرائع هنا أن الآيات الأولى التي نزلت على قلب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في( جبل
النور )أو ( غار حراء ) قد أشير فيها أيضا إلى المنزلة العليا للقلم ، حيث يقول تعالى: