الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 521
اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي
علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ( 1 ) .
والأروع من ذلك كله أن هذه الكلمات كانت تنطلق من فم شخص لم يكن
يقرأ أو يكتب ، ولم يذهب للمكاتب من أجل التعليم قط ، وهذا دليل أيضا على أن
ما ينطق به لم يكن غير الوحي السماوي .
وذكر بعض المفسرين أن كلمة ( القلم ) هنا يقصد بها:( القلم الذي تخط به
ملائكة الله العظام الوحي السماوي )، ( أو الذي تكتب به صفحة أعمال البشر ) ،
ولكن من الواضح أن للآية مفهوما واسعا ، وهذه الآراء تبين مصاديقها .
كما أن لجملة ما يسطرون مفهوما واسعا أيضا ، إذ تشمل جميع ما يكتب
في طريق الهداية والتكامل الفكري والأخلاقي والعلمي للبشر ، ولا ينحصر
بالوحي السماوي أو صحائف أعمال البشر ( 2 ) .
ثم يتطرق سبحانه لذكر الأمر الذي أقسم من أجله فيقول تعالى: ما أنت
بنعمة ربك بمجنون .
إن الذين نسبوا إليك هذه النسبة القبيحة هم عمي القلوب والأبصار ، وإلا فأين
هم من كل تلك النعم الإلهية التي وهبها الله لك ؟ نعمة العقل والعلم الذي تفوقت بها
على جميع الناس ونعمة الأمانة والصدق والنبوة ومقام العصمة . . . إن الذين
يتهمون صاحب هذا العقل الجبار بالجنون هم المجانين في الحقيقة ، إن ابتعادهم
عن دليل الهداية وموجه البشرية لهو الحمق بعينه .
ثم يضيف تعالى بعد ذلك: وإن لك لأجرا غير ممنون أي غير منقطع ، ولم
1 -العلق ، الآية 1 - 5 .
2 -اعتبر البعض أن ( ما ) في ( ما يسطرون ) مصدرية ، واعتبرها بعض آخر بأنها ( موصولة ) والمعنى الثاني أنسب ، والتقدير
هكذا: ( ما يسطرونه ) ، كما اعتبرها البعض أيضا بمعنى ( اللوح ) أو ( القرطاس ) الذي يكتب عليه ، وفي التقدير( ما يسطرون
فيه )كما اعتبر البعض ( ما ) هنا إشارة لذوي العقول والأشخاص الذين يكتبون هذه السطور ، إلا أن المعنى الذي ذكرناه في
المتن أنسب من الجميع حسب الظاهر .