الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 540
وكبرهم على فقراء زمانهم .
ويبدو أنها قصة معروفة في ذلك الزمان بين الناس ، ولهذا السبب استشهد بها
القرآن الكريم .
يقول في البداية: إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة .
لقد تعددت الروايات في مكان هذه الجنة ، فقيل: إنها في أرض اليمن بالقرب
من صنعاء ، وقيل: هي في الحبشة ، وهناك قول بأنها في أرض الشام ، وذهب
آخرون إلى أنها في الطائف . . إلا أن المشهور أنها كانت في أرض اليمن .
وموضوع القصة هو: أن شيخا مؤمنا طاعنا في السن كان له بستان عامر ،
يأخذ من ثمره كفايته ويوزع ما فضل من ثمرته للفقراء والمعوزين ، وقد ورثه
أولاده بعد وفاته ، وقالوا: نحن أحق بحصاد ثمار هذا البستان ، لأن لنا عيالا
وأولادا كثيرين ، ولا طاقة لنا بإتباع نفس الأسلوب الذي كان أبونا عليه . . ولهذا
فقد صمموا على أن يستأثروا بثمار البستان جميعا ، ويحرموا المحتاجين من أي
عطاء منها ، فكانت عاقبتهم كما تحدثنا الآيات الكريمة عنه . .
يقول تعالى: إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ( 1 ) .
ولا يستثنون أي لا يتركون منها شيئا للمحتاجين .
وعند التدقيق في قرارهم هذا يتضح لنا أن تصميمهم هذا لم يكن بلحاظ
الحاجة أو الفاقة ، بل إنه ناشئ عن البخل وضعف الإيمان ، واهتزاز الثقة بالله
سبحانه ، لأن الإنسان مهما اشتدت حاجته ، فإنه يستطيع أن يترك للفقراء شيئا مما
أعطاه الله .
وقيل: إن المقصود من عدم الاستثناء هو عدم قولهم ( إن يشاء الله ) حيث كان
الغرور مسيطرا عليهم ، مما حدا بهم إلى أن يقولوا: غدا سنذهب ونفعل ذلك ،
1 -"يصرمن"من مادة ( صرم ) ، ( على وزن ضرب ) بمعنى حصد الفاكهة ، وبمعنى القطع المطلق ، وجاءت أيضا بمعنى
تقوية عمل ما وإحكامه .