الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 541
معتبرين الأمر مختصا بهم ، وغافلين عن مشيئة الله ، ولذا لم يقولوا: ( إن شاء الله ) .
إلا أن الرأي الأول أصح ( 1 ) .
ثم يضيف تعالى استمرارا لهذا الحديث: فطاف عليهم طائف من ربك
وهم نائمون .
لقد سلط الله عليها نارا حارقة ، وصاعقة مهلكة ، بحيث أن جنتهم صارت
متفحمة سوداء فأصبحت كالصريم ، ولم يبق منها شئ سوى الرماد .
"طائف"من مادة ( طواف ) ، وهي في الأصل بمعنى الشخص الذي يدور حول
شئ معين ، كما تستعمل أحيانا كناية عن البلاء والمصيبة التي تحل في الليل ،
وهذا المعنى هو المقصود هنا .
"صريم"من مادة ( صرم ) بمعنى ( القطع ) وهنا بمعنى ( الليل المظلم ) أو
( الشجر بدون الثمار ) أو ( الرماد الأسود ) لأن الليل يقطع عند مجئ النهار ، كما أن
النهار يقطع عند مجئ الليل ، ولذا يقال أحيانا لليل والنهار ( صريمان ) ، والمقصود
بذلك هو: البلاء السماوي الذي تمثل بصاعقة عظيمة - فيما يبدو - أحالت البستان
إلى فحم ورماد أسود ، وهكذا فعل الصواعق غالبا .
وعلى كل حال فإن أصحاب البستان بقوا على تصورهم لأشجار جنتهم
المملوءة بالثمر ، جاهزة للقطف: فتنادوا مصبحين ( 2 ) .
وقالوا: أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين .
" ( أغدوا"من مادة( غدوة ) بمعنى بداية اليوم ، ولذا يقال للغذاء الذي يؤكل في
أول اليوم - وجبة الإفطار - غداء ، بالرغم من أن ( غداء ) تقال في التعابير
1 -بالإضافة إلى التناسب الخاص الموجود بين المعنى الأول مع أصل القصة ، فإننا إذا اعتبرنا المعنى الثاني هو المقصود ،
كان يجب أن يقال ( ولم يستثنوا ) بدلا عن ( ولا يستثنون ) .
2 -يقول الراغب في المفردات: إن ( تنادوا ) . أصلها من ( نداء ) مشتقة من ( ندى ) ، بمعنى الرطوبة المأخوذة ، لأن المعروف
أن الأشخاص الذين تكون في أفواههم رطوبة كافية يتكلمون براحة ، ويتصف كلامهم بالفصاحة .