الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 579
إن طغيان الماء كان بصورة غطى فيها السحاب ومن هنا جاء تعبير ( طغى )
حيث هطل مطر غزير جدا وكأنه السيل ينحدر من السماء ، وفاضت عيون
الأرض ، والتقت مياههما بحيث أصبح كل شئ تحت الماء( القوم وبيوتهم وقصور
أكابرهم ومزارعهم وبساتينهم . . . )ولم تنج إلا مجموعة المؤمنين التي كانت مع
نوح ( عليه السلام ) في سفينته .
جملة ( حملناكم ) كناية عن حمل وإنقاذ أسلافنا وأجدادنا من الغرق ، وإلا ما
كنا في عالم هذا الوجود ( 1 ) .
ثم يبين الله سبحانه الغاية والهدف من هذا العقاب ، حيث يقول تعالى:
لنجعلها لكم تذكرة وتعيها اذن واعية .
إننا لم نرد الانتقام منكم أبدا ، بل الهداية والخير والسعادة ، كنا نروم أن تكونوا
في طريق الكمال والنضج التربوي والوصول إلى ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان
المكرم .
"تعيها"من مادة ( وعى ) على وزن ( سعى ) يقول ( الراغب ) في المفردات ، و
( ابن منظور ) في لسان العرب: إنها في الأصل بمعنى الاحتفاظ بشئ معين في
القلب ، ومن هنا قيل للإناء ( وعاء ) لأنه يحفظ الشئ الذي يوضع فيه ، وقد ذكرت
هذه الصفة ( الوعي ) للآذان في الآيات مورد البحث ، وذلك بلحاظ أنها تسمع
الحقائق وتحتفظ بها .
والإنسان تارة يسمع كلاما إلا أنه كأن لم يسمعه ، وفي التعبير السائد: يسمع
بإذن ويخرجه من الأخرى .
وتارة أخرى يسمع الكلام ويفكر فيه ويتأمله . ويجعل ما فيه خير في قلبه ،
1 -ومن هنا قال البعض: إن للآية محذوف تقديره ( حملنا آباؤكم ) .