الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 588
سيكون عند النفخة الثانية ، تحدثنا هذه الآيات عن شئ من ذلك حيث يقول
تعالى: يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية .
"تعرضون"من مادة ( عرض ) بمعنى عرض شئ معين ، بضاعة أو غيرها .
ومما لا شك فيه أن جميع ما في الوجود - بشرا وغيره - هو بين يدي الله
سبحانه ، سواء في هذه الدنيا أو في عالم الآخرة ، إلا أن هذا الأمر يظهر ويتضح
بصورة أشد في يوم القيامة ، كما في مسألة حاكمية الله المطلقة والدائمة على عالم
الوجود ، حيث تتضح في يوم القيامة أكثر من أي وقت آخر .
إن جملة: تخفى منكم خافية يمكن أن تكون إشارة إلى أن الأسرار
الخاصة بالإنسان وما يحاول إخفاءه يتحول في ذلك اليوم إلى حالة من الظهور
والوضوح كما يقول تعالى: يوم تبلى السرائر ( 1 )
في ذلك اليوم لن يقتصر الوضوح والظهور على أعمال البشر الخفية فحسب ،
بل على صفات وروحيات وأخلاقيات ونيات الجميع فإنها هي الأخرى تبرز
وتظهر ، وهذا أمر عظيم جدا ، بل إنه أعظم من انفجار الأجرام السماوية وتلاشي
الجبال - كما يقول البعض - حيث الفضيحة الكبرى للطالحين ، والعزة والرفعة
للمؤمنين بشكل لا نظير له ، يوم يكون الإنسان عريانا ليس من حيث الجسم فقط ،
بل أعماله وأسراره الخفية تكون على رؤوس الأشهاد ، نعم لا يبقى أمر مخفي من
وجودنا وكياننا أجمع في ذلك اليوم العظيم .
ويمكن أن يكون المراد هو الإشارة للإحاطة العلمية لله تعالى بجميع
المخلوقات ، ولكن التفسير الأول أنسب .
لذا يقول سبحانه بعد ذلك: فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا
كتابيه ( 2 ) .
1 -الطارق ، الآية 9 .
2 -"هاؤم"كما يقول أصحاب اللغة هي بمعنى ( خذوا ) وإذا كان المخاطب جمع مذكر ، فيقال: ( هاؤم ) ، وإذا جمعت جمع
مؤنث ( هائن ) وإذا كان مفردا مذكرا كان ( هاء ) وتكون ( بالفتح ) ، وإذا كان مفردا مؤنثا فإن ( الهاء ) تكون مكسورة ، وللتثنية
هاؤما ، يقول الراغب في المفردات: ( هاء ) تستعمل بمعنى الأخذ ، و ( هات ) بمعنى العطاء .