الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 607
تنفي هاتان الآيتان ما نسبه المشركون والمخالفون من تهم
باطلة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذ كانوا يقولون أحيانا: إنه ( شاعر ) وإن هذه الآيات من
شعره ، كما كانوا يقولون أحيانا: إنه ( كاهن ) وإن الذي يقوله هو ( كهانة ) لأن الكهنة
أشخاص كانوا يتنبأون بأسرار الغيب أحيانا ، وذلك لارتباطهم بالجن والشياطين ،
وكانوا يطلقون عن قصد كلاما مسجعا وجملا موزونة .
ولأن القرآن الكريم أيضا كان يتنبأ ويتحدث عن أمور غيبية ، وإن ألفاظه
وعباراته لها نظام خاص ، لذا اتهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهذه التهم ، في حين أن الفرق بين
الاثنين كالفرق بين الأرض والسماء .
لقد نقل البعض في سبب نزول هذه الآية أن ( أبا جهل ) نسب قول الشعر إلى
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأن ( عقبة ) أو ( عتبة ) هو الذي نسب الكهانة إلى رسولنا الكريم
وكذلك الآخرون أيضا كانوا يرددون هذه التهم .
وفي الحقيقة فإن للقرآن الكريم ألفاظا منسجمة ، وتعابير ذات نظم جميل
تسحر الآذان وتبعث الاطمئنان في الأرواح . إلا أن هذا ليس له أي ارتباط مع
شعر الشعراء ، ولا مع سجع الكاهنين .
الشعر في الغالب وليد الخيال ، ومعبر عن الأحاسيس الجياشة في النفوس ،
والعواطف الملتهبة ، ولهذا فإنه يجسد حالة عدم الاستقرار وعدم التوازن صعودا
ونزولا ، شدة وانخفاضا ، في الوقت الذي نلاحظ أن القرآن الكريم ، وهو يمثل قمة
الروعة والجاذبية ، فإنه كتاب استدلالي ومنطقي في عرضه للمفاهيم ، وعقلاني في
محتواه ، وما فيه من التنبؤ المستقبلي لا يشكل قاعدة أساسية للقرآن الكريم ،
بالإضافة إلى أنها صادقة جميعا بخلاف ما عليه تنبؤ الكهنة .
التعبير ب قليلا ما تؤمنون وقليلا ما تذكرون هو توبيخ ولوم
للأشخاص الذين يسمعون الوحي السماوي مقرونا بدلائل واضحة ، إلا أنهم
يعتبرونه ( شعرا ) أحيانا ، و ( كهانة ) أحيانا أخرى . وقليلا ما يؤمنون .