الأمثل / الجزء الخامس / صفحة -43-
من الممكن أن يكون المقصود من السماء هنا معناه الظاهر، وكذا يمكن أن تكون كناية عن مقام القرب الإلهي، كما نقرأ في الآية (9) من سورة فاطر: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) .
ثمّ أضاف قائلا: (ولا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط) ، أي حتى يدخل البعير في ثقب الاُبرة.
إنّ هذا التعبير كناية لطيفة عن استحالة هذا الأمر، وقد اختير هذا المثال والتصوير الحسّي للإخبار عن عدم إمكان دخول هؤلاء الأشخاص في الجنّة، فكما لا يتردد أحد في استحالة عبور الجمل بجثته الكبيرة من خلال ثقب الاُبرة، فكذلك لا ينبغي الشك في عدم وجود طريق لدخول المستكبرين إلى الجنّة مطلقًا.
و «الجمل» في اللغة يعني البعير الذي خرجت أسنانه حديثًا، ولكن أحد معاني الجمل هو الحبل القوي والمتين الذي تربط به السفن أيضًا (1) .
وحيث إنّ بين الحبل والإبرة تناسبًا أقوى وأكثر، لهذا ذهب بعضهم إلى هذا المعنى عند تفسير الآية، ولكن أكثر المفسّرين الإسلاميين رجّح المعنى الأوّل، وهم على حق في هذا الإتجاه لأُمور:
أوّلا: إنّ في أحاديث أئمّة الإسلام كذلك تعابير تناسب التّفسير الأوّل.
ثانيًا: إنّه يلاحظ نظير هذا التّفسير حول الأثرياء (المتكبرين الأنانيين) في الإنجيل أيضًا، ففي إنجيل لوقا الباب 18 الجملة 24 و 25 نقرأ هكذا: إنّ عيسى قال: «ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله. لأنّ دخول الجمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله» .
ولا أقل يستفاد من هذه العبارة أنّ هذه الكناية كانت متداولة بين الشعوب منذ قديم الزمان.
1 ـ راجع «تاج العروس» ، و «القاموس» مادة الجمل.