الأمثل / الجزء الثامن / صفحة -213-
«تجئرون» : من مادة (الجؤار) على وزن (غبار) ، بمعنى صوت الحيوانات والوحوش الحاصل بلا اختيار عند الألم، ثمّ استعملت كنايةً في كل الآهات غير الإختيارية الناتجة عن ضيق أو ألم.
إِنّ اختيار هذه العبارة هنا إِشارة إِلى أنّه عندما تتراكم عليكم الويلات ويحل بكم البلاء الشديد تطلقون حينها صرخات الإِستغاثة اللاإِختيارية.. وأنتم بهذه الحال، أتوجهون النداء لغيره سبحانه وتعالى؟! فلماذا إِذَنْ في حياتكم الإِعتيادية وعندما تواجهون المشاكل اليسيرة تلتجؤون إِلى الأصنام؟!
نعم. فاللّه سبحانه يمسع نداءكم في كل الحالات ويغيثكم ويرفع عنكم البلاء (ثمّ إِذا كشف الضر عنكم إِذا فريق منكم بربّهم يشركون) بالعود إِلى الأصنام!
وفي الحقيقة ... فالقرآن في الآية يشير إِلى فطرة التوحيد في جميع الناس، إِلاّ أنّ حجب الغفلة والغرور والجهل والتعصب والخرافات تغطيها في الأحوال الإِعتيادية.
ولكنْ، عندما تهب عواصف البلاء تنقلع تلك الحجب فيظهر نور الفطرة براقًا من جديد ليرى الناس لمن يتوجهون، فيدعون اللّه مخلصين بكامل وجودهم، فيرفع عنهم أغطية البلاء المتأتية من تلك الحجب، (لاحظوا أنّ الآية قالت:(كشف الضر) أيْ: رفع أغطية البلاء) .
ولكنْ.. عندما تهدأ العاصفة ويرتفع البلاء وتعودون إِلى شاطيء الأمان، تعاودون من جديد على الغفلة والغرور، وتظهرون الشرك بعبادتكم للأصنام مجددًا!
وفي آخر آية (من الآيات مورد البحث) يأتي التهديد بعد إِيضاح الحقيقة بالأدلة المنطقية: (ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون) .
وَيُشَبَّهُ ذلك بتوجيه النصائح والإِرشادات لمنحرف متخلف لا يفيد معه هذا الأُسلوب المنطقي فيقطع معه الحديث باللين ليواجه بالتهديد عسى أن يرعوي