الأمثل / الجزء الخامس عشر / صفحة -263-
وفي هذا الإطار يلاحظ بعض المفسّرين أن فرعون خصص لبناء صرحه مساحة واسعة من الأراضي، ووظّف في إقامته خمسين ألفأ من العمال والبنائين المهرة، بالإضافة إلى من انشغل بتهيئة وسائل العمل والتمهيد لتنفيذ المشروع، وكلما كان البناء يرتفع أكثر كلّما ازداد تأثيره في الناس، وأخذ يجلب إليه الإهتمام والأنظار أكثر، إذ أصبح الصرح حديث المجالس، والخبر الأوّل الذي يتناقله الناس، وفي مقابل ذلك يتناسون قضية انتصار موسى (عليه السلام) على السحرة ـ ولو مؤقتاـ خصوصًا مع الأخذ بنظر الإعتبار ذلك الإهتزاز العنيف الذي ألحق بجهاز فرعون وأساط الناس.
ثانيًا: استهدف فرعون من خلال تنفيذ مشروع الصرح اشتغال أكبر قطّاع من الناس، وعلى الأخص العاطلين منهم، لكي يجد هؤلاء في هذا الشغل عزاءٌ ـ ولو مؤقتًاـ عن مظالم فرعون و ينسون جرائمه وظلمه. و من ناحية ثانية فإنّ اشتغال مثل هذا العدد الكثير يؤدي إلى ارتباطهم بخزانة فرعون وأمواله، وبالتالي ارتباطهم بنظامه وسياساته!
ثالثًا: لقد كان من خطة فرعون بعد انتهاء بناء الصرح، أن يصعد إلى أعلى نقطة فيه، ويرمق السماء ببصره، أو يرمي سهمًا نحو السماء، ويرجع الى الناس فيقول لهم: لقد انتهى كلّ شيء بالنسبة لإله موسى. والآن انصرفوا إلى أعمالكم براحة بال!!
أما بالنسبة إلى فرعون نفسه، فقد كان يعلم أنّه حتى لو ارتقى الجبال الشامخات التي تتطاول في علوها على صرحه، فإنّه سوف لن يشاهد أي شيء آخر يفترق عمّآ يشاهده وهو يقف على الأرض المستوية يتطلع نحو السماء!
والطريف في الأمر هنا أنّ فرعون بعد قوله: (فاطلع إلى موسى) رجع خطوة إلى الوراء فنزل عن يقينه إلى الشك، حيث قال بعد ذلك: (وإنّي لأظنه كاذبًا) إذ استخدم تعبير «أظن» !