الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 447
أما الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقد اطلع على إفشاء هذا السر عن طريق الوحي ، وذكر
بعضه"لحفصة"ومن أجل عدم إحراجها كثيرا لم يذكر لها القسم الثاني( ولعل
القسم الأول يتعلق بأصل شرب العسل ، والثاني هو تحريم العسل على نفسه ).
وعلى كل فإنه: فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم
الخبير .
ويتضح من مجموع هذه الآيات أن بعض زوجات الرسول لم يكتفين بإيذاء
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بكلامهن ، بل لا يحفظن سره ، وحفظ السر من أهم صفات الزوجة
الصالحة الوفية لزوجها ، وكان تعامل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معهن على العكس من ذلك
تماما إلى الحد الذي لم يذكر لها السر الذي أفشته كاملا لكي لا يحرجها أكثر ،
واكتفى بالإشارة إلى جزء منه .
ولهذا جاء في الحديث عن الإمام علي ( عليه السلام ) :"ما استقصى كريم قط ، لأن الله"
يقول: عرف بعضه وأعرض عن بعضه ( 1 ) .
ثم يتحدث القرآن مع زوجتي الرسول اللتين كانتا وراء هذا الحادث بقوله:
إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما .
وقد اتفق المفسرون الشيعة والسنة على أن تلك الزوجتين هما"حفصة بنت"
عمر"و"عائشة بنت أبي بكر"."
"صغت"من مادة"صغو"على وزن"عفو"بمعنى الميل إلى شئ ما ، لذلك
يقال"صغت النجوم""أي مالت النجوم إلى الغروب"ولهذا جاء اصطلاح
"إصغاء"بمعنى الاستماع إلى حديث شخص آخر . والمقصود من"صغت"
قلوبكما"أي مالت من الحق إلى الباطل وارتكاب الذنب ( 2 ) ."
1 -تفسير الميزان ، ج 19 ، ص 392 .
2 -طبقا للتفسير الذي ذكرناه والذي اختاره أكثر المفسرين فإن هناك شيئا محذوفا في الآية تقديره"إن تتوبا إلى الله كان"
خير لكما"أو تقدير آخر مشابه ، ولكن احتمل بعض آخر أنه ليس هناك محذوف في الآية وجملة ( صغت قلوبكما ) جزاء"
الشرط ( بشرط أن يكون الميل إلى الحق وليس العكس ) .
ولكن هذا الاحتمال بعيد جدا لأن الشرط جاء بصيغة الفعل المضارع بينما الجزاء بصيغة الفعل الماضي وهذا غير جائز في
عرف أكثر النحويين ، ويذكر أن"قلوبكما"جاءت بصيغة الجمع لا المثنى ، وذلك لتلافي إجتماع ألفاظ التثنية بصورة متتالية
الذي لا يتناسب مع بلاغة القرآن وفصاحته .