الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 480
ثم يضيف سبحانه: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت .
إن الآية أعلاه تبين لنا أن عالم الوجود - بكل ما يحيطه من العظمة - قائم
وفق نظام مستحكم ، وقوانين منسجمة ، ومقادير محسوبة ، ودقة متناهية ، ولو وقع
أي خلل في جزء من هذا العالم الفسيح لأدى إلى دماره وفنائه .
وهذه الدقة المتناهية ، والنظام المحير ، والخلق العجيب ، يتجسد لنا في كل
شئ ، ابتداء من الذرة الصغيرة وما تحويه من الإلكترونات والنيوترونات
والبروتونات ، وانتهاء بالنظم الحاكمة على جميع المنظومة الشمسية والمنظومات
الأخرى ، كالمجرات وغيرها . . إذ أن جميع ذلك يخضع لسيطرة قوانين متناهية في
الدقة ، ويسير وفق نظام خاص .
وخلاصة القول أن كل شئ في الوجود له قانون وبرنامج ، وكل شئ له نظام
محسوب .
ثم يضيف تعالى مؤكدا: فارجع البصر هل ترى من فطور .
"فطور"من مادة ( فطر ) ، على وزن ( سطر ) بمعنى الشق من الطول ، كما تأتي
بمعنى الكسر ( كإفطار الصيام ) والخلل والإفساد ، وقد جاءت بهذا المعنى في الآية
مورد البحث .
ويقصد بذلك أن الإنسان كلما دقق وتدبر في عالم الخلق والوجود ، فإنه لا
يستطيع أن يرى أي خلل أو اضطراب فيه .
لذا يضيف سبحانه مؤكدا هذا المعنى في الآية اللاحقة حيث يقول: ثم
ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير .
"كرتين"من مادة ( كر ) على وزن ( شر ) بمعنى التوجه والرجوع إلى شئ
معين ، و ( كرة ) بمعنى التكرار و ( كرتين ) مثناها .
إلا أن بعض المفسرين ذكر أن المقصود من ال ( كرتين ) هنا ليس التثنية ، بل
الالتفات والتوجه المتكرر المتعاقب والمتعدد .