الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 487
ثم يستمر تعالى بقوله: كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير .
فلماذا إذن أوقعتم أنفسكم في هذا المصير البائس ، وهذا البلاء العظيم
والساعة الرهيبة ، إن الملائكة ( خزنة جهنم ) يستغربون ويكادون أن يصعقوا لما
أصابكم وما أوقعتم به أنفسكم ، في مثل هذه الداهية مع الوعي الذي حباكم به الله
سبحانه وما تفضل به عليكم من نعمة الرسل الإلهيين والقادة من الأنبياء
والمرسلين . . فكيف اخترتم لأنفسكم مقرا كهذا ؟
قالوا بلى قد جاءنا نذير ، فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في
ضلال كبير .
وهكذا يأتي الاعتراف: نعم قد جاءنا الرسل إلا أننا كذبناهم ولم نسمع
نداءهم المحيي للنفوس بل خالفناهم وعارضناهم واعتبرناهم ضالين ،
وأخرجناهم من بين صفوفنا ، وأبعدناهم عنا . .
ثم يذكر القرآن الدليل الأصلي على شقائهم وتعاستهم ولكن على لسانهم
فيقول: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ، أجل هكذا
يأتي اعترافهم بذنوبهم بعد فوات الأوان فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب
السعير . وفي هذه الآيات وضمن بيان المصير المرعب لهؤلاء يشير إلى السبب
الحقيقي لذلك ، فمن جهة أعطاهم الله تعالى الاذن السامعة والعقل ، ومن جهة
أخرى بعث إليهم الرسل والأنبياء بالدلائل الواضحة فلو اقترن هذان الأمران
فالنتيجة هي ضمان سعادة الإنسان ، أما لو كان للإنسان اذن لا يسمع بها ، وعين لا
يبصر بها ، وعقل لا يفكر به ، فلو جاءه جميع الأنبياء والمرسلين بكافة معاجزهم
وكتبهم ، لم ينتفع بشئ . وقد ورد في الحديث الشريف ، أن بعض المسلمين ذكروا
شخصا عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأثنوا عليه ، فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :"كيف عقل الرجل"فقيل:
يا رسول الله نحن نسأل عن سعيه وعبادته وخيراته وأنت تسأل عن عقله ؟ ! فقال
( صلى الله عليه وآله وسلم ) :"إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر ، وإنما يرتفع العباد غدا في"