الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 523
والعطاء ، وتدبير الأمور ، والرفق والمداراة ، وتحمل الصعاب في مسير الدعوة
الإلهية ، والعفو عن المتجاوزين ، والجهاد في سبيل الله ، وترك الحسد والبغض
والغل والحرص . . ، وبالرغم من أن جميع هذه الصفات كانت متجسدة في رسول
الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلا أن الخلق العظيم له لم ينحصر بهذه الأمور فحسب ، بل أشمل منها
جميعا .
وفسر الخلق العظيم أيضا ب ( القرآن الكريم ) أو ( مبدأ الإسلام ) ومن الممكن
أن تكون الموارد السابقة من مصاديق المفهوم الواسع للآية أعلاه .
وعلى كل حال فإن تأصل هذا ( الخلق العظيم ) في شخصية الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو
دليل واضح على رجاحة العقل وغزارة العلم له ونفي جميع التهم التي تنسب من
قبل الأعداء إليه .
ثم يضيف سبحانه بقوله: فستبصر ويبصرون .
بأيكم المفتون أي من منكم هو المجنون ( 1 ) .
"مفتون": اسم مفعول من ( الفتنة ) بمعنى الابتلاء ، وورد هنا بقصد الابتلاء
بالجنون .
نعم ، إنهم ينسبون هذه النسب القبيحة إليك ليبعدوا الناس عنك ، إلا أن للناس
عقلا وإدراكا ، يقيمون به التعاليم التي يتلقونها منك ، ثم يؤمنون بها ويتعلمونها
تدريجيا ، وعندئذ تتضح الحقائق أمامهم ، وهي أن هذه التعاليم العظيمة مصدرها
البارئ عز وجل ، أنزلها على قلبك الطاهر بالإضافة إلى ما منحك من نصيب
عظيم في العقل والعلم .
كما أن مواقفك وتحركاتك المستقبلية المقرونة بالتقدم السريع لانتشار
الإسلام ، ستؤكد بصورة أعمق أنك منبع العلم والعقل الكبيرين ، وأن هؤلاء الأقزام
1 - ( الباء ) في ( بأيكم ) زائدة و ( أيكم ) مفعول للفعلين السابقين .