الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 546
لتحويل مسؤولية البؤس والدمار على الآخرين .
ويحتمل أن يكون شعور كل منهم - أو غالبيتهم - بالأدوار المحدودة لهم فيما
حصل ، هو الذي دفع كلا منهم للتخلي عن مسؤولية ما حصل ، وذلك كأن يقترح
شخص شيئا ، ويؤيده الآخر في هذا الاقتراح ، ويتبنى ثالث هذا العمل ، ويظهر
الرابع رضاه بسكوته . . ومن الواضح في مثل هذه الأحوال مساهمة الجميع في
هذه الجريمة ومشاركتهم في الذنب .
ثم يضيف تعالى: قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين .
لقد اعترفوا في المرحلة السابقة بالظلم ، وهنا اعترفوا بالطغيان ، والطغيان
مرحلة أعلى من الظلم ، لأن الظالم يمكن أن يستجيب لأصل القانون إلا أن غلبة
هواه عليه يدفعه إلى الظلم ، أما الطاغي فإنه يرفض القانون ويعلن تمرده عليه ولا
يعترف برسميته .
ويحتمل أن يكون المقصود بالظلم هو: ( ظلم النفس ) ، والمقصود بالطغيان هو
( التجاوز على حقوق الآخرين ) .
ومما يجدر ملاحظته أن العرب تستعمل كلمة ( ويس ) عندما يواجهون
مكروها ويعبرون عن انزعاجهم منه ، كما أنهم يستعملون كلمة ( ويح ) أحيانا ،
وأحيانا أخرى ( ويل ) وعادة يكون استعمال الكلمة الأولى في المصيبة البسيطة ،
والثانية للأشد ، والثالثة للمصيبة الكبيرة ، واستعمال كلمة ( الويل ) من قبل أصحاب
البستان يكشف عن أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم مستحقين لأشد حالات التوبيخ .
وأخيرا - بعد عودة الوعي إلى ضمائرهم وشعورهم . بل واعترافهم بالذنب
والإنابة إلى الله - توجهوا إلى البارئ عز وجل داعين ، وقالوا: عسى ربنا أن
يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون ( 1 ) فقد توجهنا إليه ونريد منه انقاذنا مما
1 -"راغبون": من مادة ( رغبة ) ، هذه المادة كلما كانت متعدية ب ( إلى ) أو ( في ) تكون بمعنى الميل إلى شئ معين ، وكلما
كانت متعدية ب ( عن ) تكون بمعنى الانصراف وعدم الاعتناء بشئ معين .