فهرس الكتاب

الصفحة 1033 من 4314

قوله تعالى:"قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"ظاهر قوله:"قد جاءكم من الله"كون هذا الجائي قائما به تعالى نحو قيام كقيام البيان أو الكلام بالمبين والمتكلم وهذا يؤيد كون المراد بالنور هو القرآن ، وعلى هذا فيكون قوله:"و كتاب مبين"معطوفا عليه عطف تفسير ، والمراد بالنور والكتاب المبين جميعا القرآن ، وقد سمى الله تعالى القرآن نورا في موارد من كلامه كقوله تعالى:"و اتبعوا النور الذي أنزل معه": الأعراف: 175 وقوله:"فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا": التغابن: 8 وقوله:"و أنزلنا إليكم نورا مبينا": النساء: 147.

ومن المحتمل أن يكون المراد بالنور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما ربما أفاده صدر الكلام في الآية ، وقد عده الله تعالى نورا في قوله:"و سراجا منيرا": الأحزاب: 46.

قوله تعالى:"يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام"الباء في قوله:"به"للآلة والضمير عائد إلى الكتاب أو إلى النور سواء أريد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو القرآن فمآل الجميع واحد فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الأسباب الظاهرية في مرحلة الهداية ، وكذا القرآن وحقيقة الهداية قائمة به قال تعالى:"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء": القصص: 56 ، وقال:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور": الشورى: 53 والآيات كما ترى تنسب الهداية إلى القرآن وإلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في عين أنها ترجعها إلى الله سبحانه فهو الهادي حقيقة وغيره سبب ظاهري مسخر لإحياء أمر الهداية.

وقد قيد تعالى قوله:"يهدي به الله"بقوله:"من اتبع رضوانه"ويئول إلى اشتراط فعلية الهداية الإلهية باتباع رضوانه ، فالمراد بالهداية هو الإيصال إلى المطلوب ، وهو أن يورده الله تعالى سبيلا من سبل السلام أو جميع السبل أو أكثرها واحدا بعد آخر.

وقد أطلق تعالى السلام فهو السلامة والتخلص من كل شقاء يختل به أمر سعادة الحياة في دنيا أو آخرة ، فيوافق ما وصف القرآن الإسلام لله والإيمان والتقوى بالفلاح والفوز والأمن ونحو ذلك ، وقد تقدم في الكلام على قوله تعالى:"اهدنا الصراط المستقيم": الحمد: 6 في الجزء الأول من الكتاب أن لله سبحانه بحسب اختلاف حال السائرين من عباده سبلا كثيرة تتحد الجميع في طريق واحد منسوب إليه تعالى يسميه في كلامه بالصراط المستقيم قال تعالى:"و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين": العنكبوت: 69 ، وقال تعالى:"و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله": الأنعام: . 135 فدل على أن له سبلا كثيرة لكن الجميع تتحد في الإيصال إلى كرامته تعالى من غير أن تفرق سالكيها ويبين كل سبيل سالكيه عن سالكي غيره من السبل كما هو شأن غير صراطه تعالى من السبل.

فمعنى الآية - والله العالم -: يهدي الله سبحانه ويورد بسبب كتابه أو بسبب نبيه من اتبع رضاه سبلا من شأنها أنه يسلم من سار فيها من شقاء الحياة الدنيا والآخرة ، وكل ما تتكدر به العيشة السعيدة.

فأمر الهداية إلى السلام والسعادة يدور مدار اتباع رضوان الله ، وقد قال تعالى:"و لا يرضى لعباده الكفر": الزمر: 7 ، وقال:"فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين": التوبة: 96 ويتوقف بالآخرة على اجتناب سبيل الظلم والانخراط في سلك الظالمين ، وقد نفى الله سبحانه عنهم هدايته وآيسهم من نيل هذه الكرامة الإلهية بقوله:"و الله لا يهدي القوم الظالمين": الجمعة: 5 فالآية أعني قوله:"يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام"تجري بوجه مجرى قوله:"و الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82.

قوله تعالى:"و يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه"في جمع الظلمات وإفراد النور إشارة إلى أن طريق الحق لا اختلاف فيه ولا تفرق وإن تعددت بحسب المقامات والمواقف بخلاف طريق الباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت