6 سورة الأنعام - 19 - 20
قُلْ أَى شىْءٍ أَكْبرُ شهَدَةً قُلِ اللّهُ شهِيدُ بَيْنى وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلىّ هَذَا الْقُرْءَانُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَ ئنّكُمْ لَتَشهَدُونَ أَنّ مَعَ اللّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى قُل لا أَشهَدُ قُلْ إِنّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِنّنى بَرِىءٌ ممّا تُشرِكُونَ (19) الّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20)
احتجاج على الوحدانية من طريق الوحي فإن وحدة الإله وانتفاء الشريك عنه وإن كانت مما يناله العقل بوجوه من النيل فلا مانع من إثباته من طريق الوحي الصريح الذي لا مرية فيه ، فالمطلوب هو اليقين بأنه تعالى إله واحد لا شريك له ، وإذا فرض حصوله من طريق الوحي الذي لا يداخله ريب في كونه وحيا إلهيا كالقرآن المتكىء على التحدي فلا مانع من الاستناد إليه.
قوله تعالى:"قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم"أمر نبيه أن يسألهم عن أكبر الأشياء من حيث الشهادة ، والشهادة هي تحمل الخبر عن نوع من العيان كالإبصار ونحوه ، وأداء ما تحمل كذلك بالإخبار والإنباء ، وإذ كان التحمل والأداء - وخاصة التحمل - مما يختلف بحسب إدراك المتحملين وبحسب وضوح الخبر الذي تحمله المتحمل ، وبحسب قوة المؤدى بيانا وضعفه اختلافا فاحشا.
فليس المتحمل الذي يغلب على مزاجه السهو والنسيان أو الغفلة كالذي يحفظ ما يعيه سمعه ويقع عليه بصره ، وليس الصاحي كالسكران ولا الخبير الأخصائي بأمر كالأجنبي الأعزل.
وإذا كان الأمر على ذلك فلا يقع ريب في أن الله سبحانه هو أكبر من كل شيء شهادة فإنه هو الذي أوجد كل ما دق وجل من الأشياء ، وإليه ينتهي كل أمر وخلق ، وهو المحيط بكل شيء ومع كل شيء لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر لا يضل ولا ينسى.
ولكون الأمر بينا لا يقع فيه شك لم يحتج إلى إيراد الجواب في اللفظ بأن يقال: قل الله أكبر شهادة ، كما قيل:"قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله": الأنعام - 12 أو يقال: سيقولون الله ، كما قيل:"قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ، سيقولون لله": المؤمنون: 85.
على أن قوله:"قل الله شهيد بيني وبينكم"يدل عليه ويسد مسده ، وليس من البعيد أن يكون قوله"شهيد"خبرا لمبتدإ ، محذوف هو الضمير العائد إلى الله ، والتقدير:"قل الله هو شهيد بيني وبينكم"فتشتمل الجملة على جواب السؤال وعلى ما استؤنف من الكلام.
وقوله:"قل الله شهيد بيني وبينكم"على أنه يشتمل على إخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) بشهادة الله تعالى هو بنفسه شهادة لمكان قوله:"قل"إذ أمره بأن يخبرهم بشهادته تعالى بالنبوة لا ينفك عن الشهادة بذلك ، وعلى هذا فلا حاجة إلى التشبث بأنواع ما وقع في القرآن الكريم من شهادة الله تعالى على نبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى نزول القرآن من عنده كقوله تعالى:"و الله يعلم إنك لرسوله": المنافقون: 1 أو قوله:"لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه": النساء: 166 وغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك تصريحا أو تلويحا بلفظ الشهادة أو بغيره.
وتقييد شهادته تعالى بقوله"بيني وبينكم"يدل على توسطه تعالى بين طرفين متخاصمين هما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقومه ، والنبي لم ينعزل عنهم ولم يتميز منهم في جانب إلا في دعوى النبوة والرسالة ودعوى نزول القرآن لكن نزول القرآن بالوحي قد ذكر بعد في قوله:"و أوحي إلي هذا القرآن"فالمراد بشهادته تعالى بينه وبينهم شهادته بنبوته ، ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"على ما سيجيء إن شاء الله.
قوله تعالى:"و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ"من مقول القول وهو معطوف على قوله:"الله شهيد"إلخ ، وجعل الإنذار غاية لنزول القرآن الكريم أخذ بمسلك الخوف في الدعوة النبوية ، وهو الأوقع في أفهام عامة الناس فإن مسلك الرجاء والوعد وإن كان أحد الطريقين في الدعوة ، وقد استعمله الكتاب العزيز في الجملة لكن رجاء الخير لا يبعث إلى طلبه بعثا إلزاميا وإنما يورث شوقا ورغبة بخلاف الخوف لوجوب دفع الضرر المحتمل عقلا.