فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 4314

و من هنا يظهر: أن المراد بقوله: لا يسألون الناس إلحافا أنهم لا يسألون الناس أصلا حتى ينجر إلى الإلحاف والإصرار في السؤال ، فإن السؤال أول مرة يجوز للنفس الجزع من مرارة الفقر فيسرع إليها أن لا تصبر وتهم بالسؤال في كل موقف ، والإلحاف على كل أحد ، كذا قيل ، ولا يبعد أن يكون المراد نفي الإلحاف لا أصل السؤال ، ويكون المراد بالإلحاف ما يزيد على القدر الواجب من إظهار الحاجة ، فإن مسمى الإظهار عند الحاجة المبرمة لا بأس به بل ربما صار واجبا ، والزائد عليه وهو الإلحاف هو المذموم.

وفي قوله تعالى: تعرفهم بسيماهم دون أن يقال تعرفونهم نوع صون لجاههم وحفظ لسترهم الذي تستروا به تعففا من الانهتاك فإن كونهم معروفين بالفقر عند كل أحد لا يخلو من هوان أمرهم وظهور ذلهم.

وأما معرفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحالهم بتوسمه من سيماهم ، وهو نبيهم المبعوث إليهم الرءوف الحنين بهم فليس فيه كسر لشأنهم ، ولا ذهاب كرامتهم ، وهذا - والله أعلم - هو السر في الالتفات عن خطاب المجموع إلى خطاب المفرد.

قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار إلى آخر الآية ، السر والعلانية متقابلان وهما حالان من ينفقون والتقدير مسرين ومعلنين ، واستيفاء الأزمة والأحوال في الإنفاق للدلالة على اهتمام هؤلاء المنفقين في استيفاء الثواب ، وإمعانهم في ابتغاء مرضاة الله ، وإرادة وجهه ، ولذلك تدلى الله سبحانه منهم فوعدهم وعدا حسنا بلسان الرأفة والتلطف فقال: لهم أجرهم عند ربهم إلخ.

في الدر المنثور ، في قوله تعالى: والله يضاعف لمن يشاء الآية: ، أخرج ابن ماجة عن الحسن بن علي بن أبي طالب وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة الباهلي وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن رسول الله أنه قال: ح ، وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم ثم تلا هذه الآية: والله يضاعف لمن يشاء.

وفي تفسير العياشي ، ورواه البرقي أيضا عن الصادق (عليه السلام) : إذا أحسن المؤمن عمله ضاعف الله عمله بكل حسنة سبعمائة ضعف ، وذلك قول الله: والله يضاعف لمن يشاء فأحسنوا أعمالكم التي تعملونها لثواب الله.

وفي تفسير العياشي ، عن عمر بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا أحسن المؤمن عمله ضاعف الله عمله بكل حسنة سبعمائة ضعف فذلك قول الله: والله يضاعف لمن يشاء فأحسنوا أعمالكم التي تعملونها لثواب الله ، قلت: وما الإحسان؟ قال: إذ صليت فأحسن ركوعك وسجودك ، وإذا صمت فتوق ما فيه فساد صومك ، وإذا حججت فتوق كل ما يحرم عليك في حجتك وعمرتك ، قال: وكل عمل تعمله فليكن نقيا من الدنس.

وفيه ، عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: أ رأيت المؤمن له فضل على المسلم في شيء من المواريث والقضايا والأحكام حتى يكون للمؤمن أكثر مما يكون للمسلم في المواريث أو غير ذلك؟ قال: لا هما يجريان في ذلك مجرى واحدا إذا حكم الإمام عليهما ، ولكن للمؤمن فضلا على المسلم في أعمالهما ، قال: فقلت: أ ليس الله يقول: من جاء بالحسنة فله عشر: أمثالها ، وزعمت أنهم مجتمعون على الصلاة والزكاة والصوم والحج مع المؤمن؟ قال: فقال: أ ليس الله قد قال: والله يضاعف لمن يشاء أضعافا كثيرة؟ فالمؤمنون هم الذين يضاعف لهم الحسنات ، لكل حسنة سبعين ضعفا ، فهذا من فضيلتهم ، ويزيد الله المؤمن في حسناته على قدر صحة إيمانه أضعافا مضاعفة كثيرة ويفعل الله بالمؤمن ما يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت