فهرس الكتاب

الصفحة 2244 من 4314

على أنه بعد ما حكى عن يوسف في السجن فيما يحاور صاحبيه أنه قال:"لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي"فأخبر أنه من تأويل الحديث وقد علمه ذلك ربه ثم علل التعليم بقوله:"إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وبالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء"إلخ فأخبر أنه مخلص - بفتح اللام - لله كآبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب نقي الوجود سليم القلب من الشرك مطلقا ولذلك علمه ربه فيما علمه تأويل الأحاديث ، والاشتراك في العلة - كما ترى - يعطي أن آباءه الكرام إبراهيم وإسحاق ويعقوب كهو مخلصون لله معلمون من تأويل الأحاديث.

ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر:"و اذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار: ص: 46 ويعطي أن العلم بتأويل الأحاديث من فروع الإخلاص لله سبحانه."

وثانيا: أن جميع ما أخبر به يعقوب (عليه السلام) منطبق على متن ما رآه يوسف (عليه السلام) من الرؤيا وهو سجدة الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا له وذلك أن سجدتهم له وفيهم يعقوب الذي هو من المخلصين ولا يسجد إلا لله وحده تكشف عن أنهم إنما سجدوا أمام يوسف لله ولم يأخذوا يوسف إلا قبلة كالكعبة التي يسجد إليها ولا يقصد بذلك إلا الله سبحانه فلم يكن عند يوسف ولا له إلا الله تعالى ، وهذا هو كون العبد مخلصا - بفتح اللام - لربه مخصوصا به لا يشاركه تعالى فيه شيء كما يومىء إليه يوسف بقوله:"ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء"وقد تقدم آنفا أن العلم بتأويل الأحاديث متفرع على الإخلاص.

ومن هنا قال يعقوب في تعبير رؤياه:"و كذلك - أي كما رأيت نفسك مسجودا لها - يجتبيك ربك - أي يخلصك لنفسه - ويعلمك من تأويل الأحاديث".

وكذلك رؤية آل يعقوب في صورة الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا وهي أجرام سماوية رفيعة المكان ساطعة الأنوار واسعة المدارات تدل على أنهم سترتفع مكانتهم ويعلوا كعبهم في حياتهم الإنسانية السعيدة ، وهي الحياة الدينية العامرة للدنيا والآخرة ويمتازون في ذلك من غيرهم.

ومن هنا مضى يعقوب في حديثه وقال:"و يتم نعمته عليك - أي وحدك متميزا من غيرك كما رأيت نفسك كذلك - وعلى آل يعقوب - أي علي وعلى زوجي وولدي جميعا كما رأيتنا مجمتمعين متقاربي الصور - كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم".

وثالثا: أن المراد بإتمام النعمة تعقيب الولاية برفع سائر نواقص الحياة السعيدة وضم الدنيا إلى الآخرة ، ولا تنافي بين نسبة إتمام النعمة إلى الجميع وبين اختصاص الاجتباء وتعليم تأويل الأحاديث بيعقوب ويوسف (عليهما السلام) من بينهم لأن النعمة وهي الولاية مختلفة الدرجات متفاوتة المراتب ، وحيث نسبت إلى الجميع يأخذ كل منهم نصيبه منها.

على أن من الجائز أن ينسب أمر إلى المجموع باعتبار اشتماله على أجزاء بعضها قائم بمعنى ذلك الأمر كما في قوله:"و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات": الجاثية: 16 وإيتاء الكتاب والحكم والنبوة مختص ببعضهم دون جميعهم بخلاف الرزق من الطيبات.

ورابعا: أن يوسف كان هو الوسيلة في إتمام الله سبحانه نعمته على آل يعقوب ولذلك جعله يعقوب أصلا في الحديث وعطف عليه غيره حتى ميزه من بين آله وأفرده بالذكر حيث قال:"و يتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب".

ولذلك أيضا نسب هذه العناية والرحمة إلى ربه حيث قال مرة بعد مرة:"ربك"ولم يقل:"يجتبيك الله"ولا"أن الله عليم حكيم فهذا كله يشهد بأنه هو الأصل في إتمام النعمة على آل يعقوب ، وأما أبواه إبراهيم وإسحاق فإن التعبير بما يشعر بالتنظير:"كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق"يخرجهما من تحت أصالة يوسف فافهم ذلك."

في تفسير القمي ، قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: تأويل هذه الرؤيا أنه سيملك مصر ويدخل عليه أبواه وإخوته. فأما الشمس فأم يوسف راحيل ، والقمر يعقوب ، وأما أحد عشر كوكبا فإخوته ، فلما دخلوا عليه سجدوا شكرا لله وحده حين نظروا إليه ، وكان ذلك السجود لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت