قوله تعالى: تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ، الظرف متعلق بقوله: نتلوها ، والمراد كون التلاوة تلاوة حق من غير أن يكون باطلا شيطانيا ، أو متعلق بالآيات باستشمام معنى الوصف فيه أو مستقر متعلق بمقدر ، والمعنى أن هذه الآيات الكاشفة عن ما يصنع الله بالطائفتين: الكافرين والشاكرين مصاحبة للحق من غير أن تجري على نحو الباطل والظلم ، وهذا الوجه أوفق لما يتعقبه من قوله: وما الله يريد ظلما.
قوله تعالى: وما الله يريد ظلما للعالمين ، تنكير الظلم وهو في سياق النفي يفيد الاستغراق ، وظاهر قوله: للعالمين وهو جمع محلى باللام أن يفيد الاستغراق ، والمعنى على هذا أن الله لا يريد ظلما أي ظلم فرض لجميع العالمين ، وكافة الجماعات ، وهو كذلك فإنما التفرق بين الناس أمر يعود أثره المشئوم إلى جميع العالمين وكافة الناس.
قوله تعالى: ولله ما في السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور ، لما ذكر أن الله لا يريد الظلم علل ذلك بما يزول معه توهم صدور الظلم فذكر أن الله تعالى يملك جميع الأشياء من جميع الجهات فله أن يتصرف فيها كيف يشاء فلا يتصور في حقه التصرف فيما لا يملكه حتى يكون ظلما وتعديا.
على أن الشخص إنما ينحو الظلم إذا كان له حاجة لا يتمكن من رفعها إلا بالتعدي على ما لا يملكه ، والله الغني الذي له ما في السماوات والأرض هذا ما قرره بعضهم لكنه لا يلائم ظاهر الآية فإن هذا الجواب يبتني بالحقيقة على غناه تعالى دون ملكه ، والمذكور في الآية هو الملك دون الغنى ، وكيف كان فملكه دليل أنه تعالى ليس بظالم.
وهناك دليل آخر وهو أن مرجع جميع الأمور أيا ما كانت إليه تعالى فليس لغيره تعالى من الأمر شيء حتى يسلبه الله عنه وينتزعه من يده ويجري فيه إرادة نفسه فيكون بذلك ظالما ، وهذا هو الذي يشير إليه قوله: وإلى الله ترجع الأمور.
والوجهان كما ترى متلازمان أحدهما مبني على أن كل شيء له تعالى والثاني مبني على أن شيئا من الأمور ليس لغيره تعالى.
قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس ، المراد بإخراج الأمة للناس والله أعلم إظهارها لهم ، ومزية هذه اللفظة الإخراج أن فيها إشعارا بالحدوث والتكون قال تعالى:"الذي أخرج المرعى": الأعلى - 4 ، والخطاب للمؤمنين فيكون قرينة على أن المراد بالناس عامة البشر والفعل أعني قوله: كنتم منسلخ عن الزمان - على ما قيل - والأمة إنما تطلق على الجماعة والفرد لكونهم ذوي هدف ومقصد يؤمرونه ويقصدونه ، وذكر الإيمان بالله بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبيل ذكر الكل بعد الجزء أو الأصل بعد الفرع.
فمعنى الآية أنكم معاشر المسلمين خير أمة أظهرها الله للناس بهدايتها لأنكم على الجماعة تؤمنون بالله وتأتون بفريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن المعلوم أن انبساط هذا التشريف على جميع الأمة لكون البعض متصفين بحقيقة الإيمان والقيام بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا محصل ما ذكروه في المقام.
والظاهر والله أعلم أن قوله: كنتم غير منسلخ عن الزمان والآية تمدح حال المؤمنين في أول ظهور الإسلام من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، والمراد بالإيمان هو الإيمان بدعوة الاجتماع على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق فيه في مقابل الكفر به على ما يدل عليه قوله قبل: أ كفرتم بعد إيمانكم الآية ، وكذا المراد بإيمان أهل الكتاب ذلك أيضا فيئول المعنى إلى أنكم معاشر أمة الإسلام كنتم في أول ما تكونتم وظهرتم للناس خير أمة ظهرت لكونكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتعتصمون بحبل الله متفقين متحدين كنفس واحدة ، ولو كان أهل الكتاب على هذا الوصف أيضا لكان خيرا لهم لكنهم اختلفوا منهم أمة مؤمنون وأكثرهم فاسقون.
واعلم أن في الآيات موارد من التفات من الغيبة إلى الخطاب ومن خطاب الجمع إلى خطاب المفرد وبالعكس ، وفيها موارد من وضع الظاهر موضع الضمير كتكرر لفظ الجلالة في عدة مواضع ، والنكتة في الجميع ظاهرة للمتأمل.
في المعاني ، وتفسير العياشي ، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: اتقوا الله حق تقاته قال يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر.