و قيل: إن في الكلام إيجازا بالحذف ، والتقدير فذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع وذلك لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأس للتذكرة والإعذار فعليه أن يذكر نفع أو لم ينفع فالآية من قبيل قوله:"و جعل لكم سرابيل تقيكم الحر": النحل: 81 أي والبرد.
وفيه أن وجوب التذكرة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى فيما لا يترتب عليها أثرا أصلا ممنوع.
وقيل: إن الشرط مسوق للإشارة إلى استبعاد النفع في تذكرة هؤلاء المذكورين نعيا عليهم كأنه قيل: افعل ما أمرت به لتوجر وإن لم ينتفعوا به.
وفيه أنه يرده قوله تعالى بعده بلا فصل:"سيذكر من يخشى".
قوله تعالى:"سيذكر من يخشى"أي سيتذكر ويتعظ بالقرآن من في قلبه شيء من خشية الله وخوف عقابه.
قوله تعالى:"و يتجنبها الأشقى"الضمير للذكرى والمراد بالأشقى بقرينة المقابلة من ليس في قلبه شيء من خشية الله تعالى ، وتجنب الشيء التباعد عنه ، والمعنى وسيتباعد عن الذكرى من لا يخشى الله.
قوله تعالى:"الذي يصلى النار الكبرى"الظاهر أن المراد بالنار الكبرى نار جهنم وهي نار كبرى بالقياس إلى نار الدنيا ، وقيل: المراد بها أسفل دركات جهنم وهي أشدها عذابا.
قوله تعالى:"ثم لا يموت فيها ولا يحيى"ثم للتراخي بحسب رتبة الكلام ، والمراد من نفي الموت والحياة عنه معا نفي النجاة نفيا مؤبدا فإن النجاة بمعنى انقطاع العذاب بأحد أمرين إما بالموت حتى ينقطع عنه العذاب بانقطاع وجوده وإما يتبدل صفة الحياة من الشقاء إلى السعادة ومن العذاب إلى الراحة فالمراد بالحياة في الآية الحياة الطيبة على حد قولهم في الحرض: لا حي فيرجى ولا ميت فينسى.
قوله تعالى:"قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى"التزكي هو التطهر والمراد به التطهر من ألواث التعلقات الدنيوية الصارفة عن الآخرة بدليل قوله بعد"بل تؤثرون الحياة الدنيا"إلخ ، والرجوع إلى الله بالتوجه إليه تطهر من الإخلاد إلى الأرض ، والإنفاق في سبيل الله تطهر من لوث التعلق المالي حتى أن وضوء الصلاة تمثيل للتطهر عما كسبته الوجوه والأيدي والأقدام.
وقوله:"و ذكر اسم ربه فصلى"الظاهر أن المراد بالذكر الذكر اللفظي ، وبالصلاة التوجه الخاص المشروع في الإسلام.
والآيتان بحسب ظاهر مدلولهما على العموم لكن ورد في المأثور عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنهما نزلتا في زكاة الفطر وصلاة العيد وكذا من طرق أهل السنة.
قوله تعالى:"بل تؤثرون الحياة الدنيا"إضراب بالخطاب لعامة الناس على ما يدعو إليه طبعهم البشري من التعلق التام بالدنيا والاشتغال بتعميرها ، والإيثار الاختيار ، وقيل: الخطاب للكفار ، والكلام على أي حال مسوق للعتاب والالتفات لتأكيده.
قوله تعالى:"و الآخرة خير وأبقى"عد الآخرة أبقى بالنسبة إلى الدنيا مع أنها باقية أبدية في نفسها لأن المقام مقام الترجيح بين الدنيا والآخرة ويكفي في الترجيح مجرد كون الآخرة خيرا وأبقى بالنسبة إلى الدنيا وإن قطع النظر عن كونها باقية أبدية.
قوله تعالى:"إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى"الإشارة بهذا إلى ما بين في قوله:"قد أفلح من تزكى"إلى تمام أربع آيات ، وقيل: هذا إشارة إلى مضمون قوله:"و الآخرة خير وأبقى".
قيل: وفي إبهام الصحف ووصفها بالتقدم أولا ثم بيانها وتفسيرها بصحف إبراهيم وموسى ثانيا ما لا يخفى من تفخيم شأنها وتعظيم أمرها.
في تفسير العياشي ، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت:"فسبح باسم ربك العظيم"قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : اجعلوها في ركوعكم ، ولما نزل"سبح اسم ربك الأعلى"قال: اجعلوها في سجودكم: . أقول: ورواه أيضا في الدر المنثور ، عن أحمد وأبي داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عقبة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وفي تفسير القمي ،:"سبح اسم ربك الأعلى"قال: قل سبحان ربي الأعلى"الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى"قال: قدر الأشياء بالتقدير الأول ثم هدى إليها من يشاء.
وفيه ،: في قوله تعالى:"و الذي أخرج المرعى"قال: أي النبات. وفي قوله:"غثاء أحوى"قال: يصير هشيما بعد بلوغه ويسود.