و في قوله:"من ربك"التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة ووجهه إظهار العناية بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه هو الذي أنزل عليه القرآن وهو المنذر المرسل إلى الناس.
وقوله:"إنه هو السميع العليم"أي السميع للمسائل والعليم بالحوائج فيسمع مسألتهم ويعلم حاجتهم إلى الاهتداء بهدى ربك فينزل الكتاب ويرسل الرسول رحمة منه لهم.
قوله تعالى:"رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين"لما كانت الوثنية يرون أن لكل صنف من الخلق إلها أو أكثر وربما اتخذ قوم منهم إلها غير ما يتخذه غيرهم عقب قوله:"من ربك"بقوله:"رب السماوات"إلخ ، لئلا يتوهم متوهم منهم أن ربوبيته للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليست بالاختصاص كالتي بينهم بل هو تعالى ربه ورب السماوات والأرض وما بينهما ، ولذلك عقبه أيضا في الآية التالية بقوله:"لا إله إلا هو".
وقوله:"إن كنتم موقنين"هذا الاشتراط كما ذكره الزمخشري من قبيل قولنا هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه واشتهروا سخاءه أن بلغك حديثه وحدثت بقصته فالمعنى هو الذي يعرفه الموقنون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم منهم عرفتموه بأنه رب كل شيء.
قوله تعالى:"لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين"لما كان مدلول الآية السابقة انحصار الربوبية وهي الملك والتدبير فيه تعالى والألوهية وهي المعبودية بالحق من لوازم الربوبية عقبه بكلمة التوحيد النافية لكل إله دونه تعالى.
وقوله:"يحيي ويميت"من أخص الصفات به تعالى وهما من شئون التدبير ، وفي ذكرهما نوع تمهيد لما سيأتي من إنذارهم بالمعاد.
وقوله:"ربكم ورب آبائكم الأولين"فيه كمال التصريح بأنه ربهم ورب آبائهم فليعبدوه ولا يتعللوا باتباع آبائهم في عبادة الأصنام ، ولتكميل التصريح سيقت الجملة بالخطاب فقيل:"ربكم ورب آبائكم".
وهما أعني قوله:"يحيي ويميت"وقوله:"ربكم"خبران لمبتدإ محذوف والتقدير هو يحيي ويميت إلخ.
في المجمع ،: في قوله تعالى:"إنا أنزلناه في ليلة مباركة"والليلة المباركة هي ليلة القدر: و ، هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) .
وفي الكافي ، بإسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم عن حمران أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى:"إنا أنزلناه في ليلة مباركة"قال: نعم ليلة القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر فلم ينزل القرآن إلا في ليلة القدر قال الله تعالى:"فيها يفرق كل أمر حكيم"قال: يقدر في ليلة القدر كل شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل: خير وشر وطاعة ومعصية ومولود وأجل ورزق فما قدر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم ولله تعالى فيه المشية.
أقول: قوله: فهو المحتوم ولله فيه المشية أي أنه محتوم من جهة الأسباب والشرائط فلا شيء يمنع عن تحققه إلا أن يشاء الله ذلك.
وفي البصائر ، عن عباس بن معروف عن سعدان بن مسلم عن عبد الله بن سنان قال: سألته عن النصف من شعبان فقال: ما عندي فيه شيء ولكن إذا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قسم فيها الأرزاق وكتب فيها الآجال وخرج فيها صكاك الحاج واطلع الله إلى عباده فغفر الله لهم إلا شارب خمر مسكر. فإذا كانت ليلة ثلاث وعشرين فيها يفرق كل أمر حكيم ثم ينهى ذلك ويمضي ذلك. قلت: إلى من؟ قال: إلى صاحبكم ولو لا ذلك لم يعلم.
وفي الدر المنثور ، أخرج محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى:"فيها يفرق كل أمر حكيم"قال: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو موت أو حياة أو مطر حتى يكتب الحاج: يحج فلان ويحج فلان.
أقول: والأخبار في ليلة القدر وما يقضى فيها وفي تعيينها كثيرة جدا وسيأتي عمدتها في تفسير سورة القدر إن شاء الله تعالى.