فالله سبحانه ملك ومالك للكل والكل مملوكون له محضا فله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وليس لغيره ذلك ، وله أن يسألهم عما يفعلون وليس لغيره أن يسألوه عما يفعل نعم هو سبحانه أخبرنا أنه حكيم لا يفعل إلا ما فيه مصلحة ولا يريد إلا ذلك فليس لنا أن نسيء به الظن فيما ينسب إليه من الفعل بعد هذا العلم الإجمالي بحكمته المطلقة فضلا عن سؤاله عما يفعل ، ومن ألطف الآيات دلالة على هذا الذي ذكرنا قوله حكاية عن عيسى بن مريم:"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم:"المائدة: 118 حيث يوجه عذابهم بأنهم مملوكون له ويوجه مغفرتهم بكونه حكيما.
ومن هنا يظهر أن الحكمة بوجه ما أعم من قوله:"لا يسأل عما يفعل"بخلاف الملك فالملك أقرب إلى توجيه الآية منها كما أشرنا إليه.
الأمر الثاني: أن الآية على ما وجهوها به خفية الاتصال بالسياق السابق وغاية ما قيل في اتصالها بما قبلها ما في مجمع البيان ،: أنه تعالى لما بين التوحيد عطف عليه بيان العدل ، وأنت خبير بأن مآله الاستطراد ولا موجب له.
ونظيره ما نقل عن أبي مسلم أنها تتصل بقوله في أول السورة:"اقترب للناس حسابهم"والحساب هو السؤال عما أنعم الله عليهم به ، وهل قابلوا نعمه بالشكر أم قابلوها بالكفر؟ وفيه أن للآيات التالية لهذه الآية اتصالا واضحا بما قبلها فلا معنى لاتصالها وحدها بأول السورة.
على أن قوله على تقدير تسليمه يوجه اتصال ذيل الآية والصدر باق على ما كان.
وأنت خبير أن توجيه الآية بالملك دون الحكمة كما قدمناه يكشف عن اتصال الآية بما قبلها من قوله:"سبحان الله رب العرش عما يصفون"فالعرش - كما تقدم - كناية عن الملك فتتصل الآيتان ويكون قوله:"لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"بالحقيقة برهانا على ملكه تعالى كما أن ملكه وعدم مسئوليته برهان على ربوبيته ، وبرهانا على مملوكيتهم كما أن مملوكيتهم ومسئوليتهم برهان على عدم ربوبيتهم فإن الفاعل الذي ليس بمسئولين عن فعله بوجه هو الذي يملك الفعل مطلقا لا محالة ، والفاعل الذي هو مسئول عن فعله هو الذي لا يملك الفعل إلا إذا كان ذا مصلحة والمصلحة هي التي تملكه وترفع المؤاخذة عنه ، ورب العالم أو جزء من أجزائه هو الذي يملك تدبيره باستقلال من ذاته أي لذاته لا بإعطاء من غيره فالله سبحانه هو رب العرش وغيره مربوبون له.
الحركات المتنوعة المختلفة التي تصدر منا إنما تعد فعلا لنا إذا تعلقت نوعا من التعلق بإرادتنا فلا تعد الصحة والمرض والحركة الاضطرارية بالحركة اليومية أو السنوية مثلا أفعالا لنا ، ومن الضروري أن إرادة الفعل تتبع العلم برجحانه والإذعان بكونه كمالا لنا ، بمعنى كون فعله خيرا من تركه ونفعه غالبا على ضرره فما في الفعل من جهة الخير المترتب عليه هو المرجح له أي هو الذي يبعثنا نحو الفعل أي هو السبب في فاعلية الفاعل منا وهذا هو الذي نسميه غاية الفاعل في فعله وغرضه من فعله وقد قطعت الأبحاث الفلسفية أن الفعل بمعنى الأثر الصادر عن الفاعل إراديا كان أو غير إرادي لا يخلو من غاية.
وكون الفعل مشتملا على جهة الخيرية المترتبة على تحققه هو المسمى بمصلحة الفعل فالمصلحة التي يعدها العقلاء وهم أهل الاجتماع الإنساني مصلحة هي الباعثة للفاعل على فعله ، وهي سبب إتقان الفعل الموجب لعد الفاعل حكيما في فعله ، ولولاها لكان الفعل لغوا لا أثر له.
ومن الضروري أن المصلحة المترتبة على الفعل لا وجود لها قبل وجود الفعل ، فكونها باعثة للفاعل نحو الفعل داعية له إليه إنما هو بوجودها علما لا بوجودها خارجا بمعنى أن الواحد منا عنده صورة علمية مأخوذة من النظام الخارجي بما فيه من القوانين الكلية الجارية والأصول المنتظمة الحاكمة بانسياق الحركات إلى غاياتها والأفعال إلى أغراضها وما تحصل عنده بالتجربة من روابط الأشياء بعضها مع بعض ، ولا ريب أن هذا النظام العلمي تابع للنظام الخارجي مترتب عليه.