و هذا هو روح السيرة الصالحة التي لازمها أولياء الدين ، وسنشبع إن شاء الله العزيز هذا المعنى في بحث مستقل في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والطاهرين من آله الثابتة بالآثار الصحيحة ، وأنهم لم ينالوا من ملكهم إلا أن يثوروا على الجبابرة في فسادهم في الأرض ويعارضوهم في طغيانهم واستكبارهم.
ولذلك لم يدع القرآن الناس إلى الاجتماع على تأسيس الملك ، وتشييد بنيان القيصرية والكسروية ، وإنما تلقى الملك شأنا من الشئون اللازمة المراعاة في المجتمع الإنساني نظير التعليم أو إعداد القوة لإرهاب الكفار.
بل إنما دعا الناس إلى الاجتماع والاتحاد والاتفاق على الدين ، ونهاهم عن التفرق والشقاق فيه ، وجعله هو الأصل ، فقال تعالى:"و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله": الأنعام - 153 ، وقال تعالى:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون": آل عمران - 64 ، فالقرآن - كما ترى - لا يدعو الناس إلا إلى التسليم لله وحده ويعتبر من المجتمع المجتمع الديني ، ويدحض ما دون ذلك من عبادة الأنداد ، والخضوع لكل قصر مشيد ، ومنتدى رفيع وملك قيصري وكسروي والتفرق بإفراز الحدود وتفريق الأوطان وغير ذلك.
لا ريب أن الواجب تعالى هو الذي تنتهي إليه سلسلة العلية في العالم ، وإن الرابطة بينه وبين العالم جزءا وكلا هي رابطة العلية ، وقد تبين في أبحاث العلة والمعلول أن العلية إنما هي في الوجود بمعنى أن الوجود الحقيقي في المعلول هو المترشح من وجود علته ، وأما غيره كالماهية فهو بمعزل عن الترشح والصدور والافتقار إلى العلة ، وينعكس بعكس النقيض إلى أن ما لا وجود حقيقي له فليس بمعلول ولا منته إلى الواجب تعالى.
ويشكل الأمر في استناد الأمور الاعتبارية المحضة إليه تعالى إذ لا وجود حقيقي لها أصلا ، وإنما وجودها وثبوتها ثبوت اعتباري لا يتعدى ظرف الاعتبار والوضع وحيطة الفرض ، وما يشتمل عليه الشريعة من الأمر والنهي والأحكام والأوضاع كلها أمور اعتبارية فيشكل نسبتها إليه تعالى ، وكذا أمثال الملك والعز والرزق وغير ذلك.
والذي تحل به العقدة أنها وإن كانت عارية عن الوجود الحقيقي إلا أن لها آثارا هي الحافظة لأسمائها كما مر مرارا ، وهذه الآثار أمور حقيقية مقصودة بالاعتبار ولها نسبة إليه تعالى فهذه النسبة هي المصححة لنسبتها فالملك الذي بيننا أهل الاجتماع وإن كان أمرا اعتباريا وضعيا لا نصيب لمعناه من الوجود الحقيقي ، وإنما هو معنى متوهم لنا جعلناه وسيلة إلى البلوغ إلى آثار خارجية لم يكن يمكننا البلوغ إليها لو لا فرض هذا المعنى الموهوم وتقديره ، وهي قهر المتغلبين وأولي السطوة والقوة من أفراد الاجتماع الواثبين على حقوق الضعفاء والخاملين ، ووضع كل من الأفراد في مقامه الذي له ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، وغير ذلك.
لكن لما كان حقيقة معنى الملك واسمه باقيا ما دامت هذه الآثار الخارجية باقية مترتبة عليه فاستناد هذه الآثار الخارجية إلى عللها الخارجية هو عين استناد الملك إليه ، وكذلك القول في العزة الاعتبارية ، وآثارها الخارجية واستنادها إلى عللها الحقيقة ، وكذلك الأمر في غيرها كالأمر والنهي والحكم والوضع ونحو ذلك.
ومن هنا يتبين: أن لها جميعا استنادا إلى الواجب تعالى باستناد آثارها إليه على حسب ما يليق بساحة قدسه وعزه.