و قوله:"و يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"من قبيل ذكر الخاص بعد العام أو الجزء بعد الكل اهتماما بأمره فالصلاة والزكاة على أركان الإسلام وهما التوجه العبودي الخاص إلى الله وإنفاق المال في الله.
وقوله:"و ذلك دين القيمة"أي دين الكتب القيمة على ما فسروا ، والمراد بالكتب القيمة إن كان جميع الكتب السماوية أعني كتاب نوح ومن دونه من الأنبياء (عليهم السلام) فالمعنى أن هذا الذي أمروا به ودعوا إليه في الدعوة المحمدية هو الدين الذي كلفوا به في كتبهم القيمة وليس بأمر بدع فدين الله واحد وعليهم أن يدينوا به لأنه القيم.
وإن كان المراد به ما كان يتلوه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الكتب القيمة التي في الصحف المطهرة فالمعنى أنهم لم يؤمروا في الدعوة الإسلامية إلا بأحكام وقضايا هي القيمة الحافظة لمصالح المجتمع الإنساني فلا يسعهم إلا أن يؤمنوا بها ويتدينوا.
فالآية على أي حال تشير إلى كون دين التوحيد الذي يتضمنه القرآن الكريم المصدق لما بين يديه من الكتاب والمهيمن عليه فيما يأمر المجتمع البشري قائما بأمرهم حافظا لمصالح حياتهم كما يبينه بأوفى البيان قوله تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30.
وبهذه الآية يكمل بيان عموم رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشمول الدعوة الإسلامية لعامة البشر فقوله:"لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين"إلخ يشير إلى أنه كان من الواجب في سنة الهداية الإلهية أن تتم الحجة على من كفر بالدعوة من أهل الكتاب والمشركين ، وهؤلاء وإن كانوا بعض أهل الكتاب والمشركين لكن من الضروري أن لا فرق بين البعض والبعض في تعلق الدعوة فتعلقها بالبعض لا ينفك عن تعلقها بالكل.
وقوله:"رسول من الله"إلخ يشير إلى أن تلك البينة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقوله"و ما تفرق"إلخ يشير إلى أن تفرقهم وكفرهم السابق بالحق أيضا كان بعد مجيء البينة.
وقوله:"و ما أمروا إلا ليعبدوا الله"إلخ يفيد أن الذي دعوا إليه وأمروا به دين قيم حافظ لمصالح المجتمع البشري فعليهم جميعا أن يؤمنوا به ولا يكفروا.
قوله تعالى:"إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية"لما فرغ من الإشارة إلى كفرهم بالبينة التي كانت توجبها سنة الهداية الإلهية وما كانت تدعو إليه من الدين القيم أخذ في الإنذار والتبشير بوعيد الكفار ووعد المؤمنين ، والبرية الخلق ، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية"فيه قصر الخيرية في المؤمنين الصالحين كما أن في الآية السابقة قصر الشرية في الكفار.
قوله تعالى:"جزاؤهم عند ربهم - إلى قوله - ذلك لمن خشي ربه"العدن الاستقرار والثبات فجنات عدن جنات خلود ودوام وتوصيفها بقوله:"خالدين فيها أبدا"تأكيد بما يدل عليه الاسم.
وقوله:"رضي الله عنهم"الرضى منه تعالى صفة فعل ومصداقه الثواب الذي أعطاهموه جزاء لإيمانهم وعملهم الصالح.
وقوله:"ذلك لمن خشي ربه"علامة مضروبة لسعادة الدار الآخرة وقد قال تعالى:"إنما يخشى الله من عباده العلماء": فاطر: 28 فالعلم بالله يستتبع الخشية منه ، والخشية منه تستتبع الإيمان به بمعنى الالتزام القلبي بربوبيته وألوهيته ثم العمل الصالح.
واعلم أن لهم في تفسير مفردات هذه الآيات اختلافا شديدا وأقوالا كثيرة لا جدوى في التعرض لها من أراد الوقوف عليها فليراجع المطولات.
في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: البينة محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .