لم ينقل عن طبقة الصحابة بحث حقيقي عن مثل العرش والكرسي وسائر الحقائق القرآنية وحتى أصول المعارف كمسائل التوحيد وما يلحق بها بل كانوا لا يتعدون الظواهر الدينية ويقفون عليها ، وعلى ذلك جرى التابعون وقدماء المفسرين حتى نقل عن سفيان بن عيينة أنه قال: كلما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه ، وعن الإمام مالك أن رجلا قال له: يا أبا عبد الله استوى على العرش ، كيف استوى؟ قال الراوي: فما رأيت مالكا وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء يعني العرق وأطرق القوم. قال: فسري عن مالك فقال: الكيف غير معقول: والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وإني أخاف أن تكون ضالا ، وأمر به فأخرج. وكأن قوله: الكيف غير معقول إلخ ، مأخوذ عما روي عن أم سلمة أم المؤمنين في قوله تعالى:"الرحمن على العرش استوى"قالت: الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإقرار به إيمان ، والجحود به كفر.
فهذا نحو سلوكهم في ذلك لم يورث منهم شيء إلا ما يوجد في كلام الإمام علي بن أبي طالب والأئمة من ولده بعده (عليه السلام) ونحن نورد بعض ما عثرنا عليه في كلامهم.
ففي التوحيد ، بإسناده عن سلمان الفارسي فيما أجاب به علي (عليه السلام) الجاثليق: فقال علي (عليه السلام) : إن الملائكة تحمل العرش ، وليس العرش كما تظن كهيئة السرير ولكنه شيء محدود مخلوق مدبر وربك مالكه لا أنه عليه ككون الشيء على الشيء.
الخبر.
وفي الكافي ، عن البرقي رفعه قال: سأل الجاثليق عليا (عليه السلام) فقال: أخبرني عن الله عز وجل يحمل العرش أو العرش يحمله؟ فقال (عليه السلام) : الله عز وجل حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما ، وذلك قول الله عز وجل:"إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا - ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده - إنه كان حليما غفورا". قال: فأخبرني عن قوله:"و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية"فكيف ذاك وقلت: إنه يحمل العرش والسماوات والأرض؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إن العرش خلقه الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر منه احمرت الحمرة ، ونور أخضر منه اخضرت الخضرة ، ونور أصفر منه اصفرت الصفرة ونور أبيض منه ابيض البياض. وهو العلم الذي حمله الله الحملة ، وذلك نور من نور عظمته فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين ، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون ، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان المتشتتة فكل شيء محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فكل شيء محمول ، والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا ، والمحيط بهما من شيء ، وهو حياة كل شيء ونور كل شيء سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. قال له: فأخبرني عن الله أين هو؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : هو هاهنا وهاهنا وفوق وتحت ومحيط بنا ومعنا ، وهو قوله:"ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم - ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر - إلا هو معهم أينما كانوا"فالكرسي محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ، وذلك قوله:"وسع كرسيه السماوات والأرض - ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم". فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حملهم الله علمه ، وليس يخرج من هذه الأربعة شيء خلقه الله في ملكوته ، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه وأراه خليله فقال:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض - وليكون من الموقنين"وكيف يحمل حملة العرش الله وبحياته حييت قلوبهم ، وبنوره اهتدوا إلى معرفته ، الخبر.
أقول: قوله أخبرني عن الله عز وجل يحمل العرش أو العرش يحمله إلخ ، ظاهر في أن الجاثليق أخذ الحمل بمعنى حمل الجسم للجسم ، وقوله (عليه السلام) : الله حامل العرش والسماوات والأرض إلخ ، أخذ للحمل بمعناه التحليلي وتفسير له بمعنى حمل وجود الشيء وهو قيام وجود الأشياء به تعالى قياما تبعيا محضا لا استقلاليا ، ومن المعلوم أن لازم هذا المعنى أن يكون الأشياء محمولة له تعالى لا حاملة.