فهرس الكتاب

الصفحة 1759 من 4314

فأمره الله سبحانه أن يعيد الجواب عليهم:"إنما علمها عند الله"دالا به على أن القول جد والجواب فصل ، فهو من العلم لا من الجهل ، والغرض به إفادة العلم بانحصار علمها فيه تعالى دون الجهل بها ، وإحالة علمها إلى ربه عملا بوظيفة العبودية ، ولذا بدل قوله في الجواب الأول"عند ربي"في هذا الجواب الثاني إلى قوله"عند الله".

ثم قال:"و لكن أكثر الناس لا يعلمون"يشير به إلى جهلهم بمعنى قوله:"إنما علمها عند ربي"الآية فإنهم لأنسهم بالحس والمحسوس يقيسون كل شيء سمعوه إلى المحسوس ، ويعممون حكمه عليه فيظنون أن كل ما وصف لهم بوجه يسع لهم أن يعلموه ويحيطوا به علما ، وأنه لو كان هناك أمر أخفي عنهم فإنما يخفى بالكتمان ، ولو أظهر لهم أحاطوا به علما كسائر ما عندهم من الأمور المحسوسة ، وقد أخطأ قياسهم واشتبه عليهم فإن بعض ما في الغيب ومن جملته الساعة لا يطيق علمه إلا الله سبحانه.

وقد ظهر من الآية أن علم الساعة مما لا يطيقه شيء من الأشياء إلا الله سبحانه ، وكذا حقيقة ما له من الأوصاف والنعوت فإن الجميع ثقيلة بثقلها.

قوله تعالى:"قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله"إلى آخر الآية لما كان في سؤالهم الغيب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) إيهام أن دعواه النبوة دعوى لعلم الغيب ، ولا يعلم الغيب حقيقة غيره تعالى إلا بوحي وتعليم إلهي ، أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتبرأ من دعوى العلم بالغيب.

وحقيقة السبب في اختصاص العلم بالغيب به تعالى أن غيره تعالى أيا ما كان محدود الوجود لا سبيل له إلى الخارج منه الغائب عنه من حيث إنه غائب ، ولا شيء غير محدود ولا غير متناه محيط بكل شيء إلا الله سبحانه فله العلم بالغيب.

لكن لما كان أولئك السائلون لا يسعهم فهم هذا السبب على ما لهم من الأفهام البسيطة العامية أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكلمهم بما يسعهم فهمه ، وهو أن العلم بالغيب يهدي الإنسان إلى كل خير وشر والعادة تأبى أن يعلم أحد الخير والشر ويهتدي إلى موقعهما ثم لا يستفيد من ذلك لنفسه فالإنسان إذا لم يستكثر من الخير ولم يوق من الشر كيف يعلم الغيب؟.

فقوله في صدر الآية:"قل لا أملك لنفسي"الآية وصف لنفسه بما ينافي نتيجة العلم بالغيب ثم قوله:"و لو كنت أعلم الغيب"الآية بيان نتيجة العلم بالغيب ، لينتج من الفصلين عدم علمه بالغيب ، ثم قوله:"إن أنا إلا نذير"بيان حقيقة حاله فيما يدعيه من الرسالة من غير أن يكون معها دعوى أخرى.

في تفسير القمي ،: في قوله"يسألونك عن الساعة أيان مرساها"الآية ، قال: قال: إن قريشا بعثوا العاص بن وائل السهمي ، والنضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط إلى نجران ليتعلموا من علماء اليهود مسائل يسألونها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان فيما سألوا محمدا متى تقوم الساعة أنزل الله تعالى:"يسألونك عن الساعة أيان مرساها"الآية. وفي تفسير العياشي ، عن خلف بن حماد عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله يقول في كتابه:"و لو كنت أعلم الغيب - لاستكثرت من الخير وما مسني السوء"يعني الفقر: . أقول: ورواه أيضا الصدوق في المعاني ، بإسناده عن خلف بن حماد عن رجل عنه (عليه السلام) ، ورواه الحسين بن بسطام في طب الأئمة ، عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه السلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت