فهرس الكتاب

الصفحة 3550 من 4314

و قوله:"ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار"أي خلق العالم باطلا لا غاية له وانتفاء يوم الحساب الذي يظهر فيه ما ينتجه حساب الأمور ظن الذين كفروا بالمعاد فويل لهم من عذاب النار.

قوله تعالى:"أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار"هذه هي الحجة الثانية على المعاد وتقريرها أن للإنسان كسائر الأنواع كمالا بالضرورة وكمال الإنسان هو خروجه في جانبي العلم والعمل من القوة إلى الفعل بأن يعتقد الاعتقادات الحقة ويعمل الأعمال الصالحة اللتين يهديه إليهما فطرته الصحيحة وهما الإيمان بالحق والعمل الصالح اللذين بهما يصلح المجتمع الإنساني الذي في الأرض.

فالذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم المتقون هم الكاملون من الإنسان والمفسدون في الأرض بفساد اعتقادهم وعملهم وهم الفجار هم الناقصون الخاسرون في إنسانيتهم حقيقة ، ومقتضى هذا الكمال والنقص أن يكون بإزاء الكمال حياة سعيدة وعيش طيب وبإزاء خلافه خلاف ذلك.

ومن المعلوم أن هذه الحياة الدنيا التي يشتركان فيها هي تحت سيطرة الأسباب والعوامل المادية ونسبتها إلى الكامل والناقص والمؤمن والكافر على السواء فمن أجاد العمل ووافقته الأسباب المادية فاز بطيب العيش ومن كان على خلاف ذلك لزمه الشقاء وضنك المعيشة.

فلو كانت الحياة مقصورة على هذه الحياة الدنيوية التي نسبتها إلى الفريقين على السواء ولم تكن هناك حياة تختص بكل منهما وتناسب حاله كان ذلك منافيا للعناية الإلهية بإيصال كل ذي حق حقه وإعطاء المقتضيات ما تقتضيه.

وإن شئت فقل: تسوية 1 بين الفريقين وإلغاء ما يقتضيه صلاح هذا وفساد ذلك خلاف عدله تعالى.

والآية - كما ترى - لا تنفي استواء حال المؤمن والكافر وإنما قررت المقابلة بين من آمن وعمل صالحا وبين من لم يكن كذلك سواء كان غير مؤمن أو مؤمنا غير صالح ولذا أتت بالمقابلة ثانيا بين المتقين والفجار.

قوله تعالى:"كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب"أي هذا كتاب من وصفه كذا وكذا ، وتوصيفه بالإنزال المشعر بالدفعة دون التنزيل الدال على التدريج لأن ما ذكر من التدبر والتذكر يناسب اعتباره مجموعا لا نجوما مفرقة.

والمقابلة بين"ليدبروا"و"ليتذكر أولوا الألباب"تفيد أن المراد بضمير الجمع الناس عامة.

والمعنى: هذا كتاب أنزلناه إليك كثير الخيرات والبركات للعامة والخاصة ليتدبره الناس فيهتدوا به أو تتم لهم الحجة وليتذكر به أولو الألباب فيهتدوا إلى الحق باستحضار حجته وتلقيها من بيانه.

روي في الدر المنثور ، بطريق عن أنس وعن مجاهد والسدي وبعدة طرق عن ابن عباس قصة دخول الخصم على داود (عليه السلام) على اختلاف ما في الروايات وروى مثلها القمي في تفسيره ، ورواها في العرائس ، وغيره وقد لخصها في مجمع البيان ، كما يأتي: أن داود كان كثير الصلاة فقال: يا رب فضلت علي إبراهيم فاتخذته خليلا وفضلت علي موسى فكلمته تكليما فقال: يا داود إنا ابتليناهم بما لم نبتلك بمثله فإن شئت ابتليتك فقال: نعم يا رب فابتلني. فبينا هو في محرابه ذات يوم إذ وقعت حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة المحراب فذهب ليأخذها فاطلع من الكوة فإذا امرأة أوريا بن حيان تغتسل فهواها وهم بتزويجها فبعث بأوريا إلى بعض سراياه وأمر بتقديمه أمام التابوت الذي فيه السكينة ففعل ذلك وقتل. فلما انقضت عدتها تزوجها وبنى بها فولد له منها سليمان فبينا هو ذات يوم في محرابه إذ دخل عليه رجلان ففزع منهما فقالا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض إلى قوله وقليل ما هم ، فنظر أحد الرجلين إلى صاحبه ثم ضحك فتنبه داود على أنهما ملكان بعثهما الله إليه في صورة خصمين ليبكتاه على خطيئته فتاب وبكى حتى نبت الزرع من كثرة دموعه.

ثم قال في المجمع ، - ونعم ما قال -: إنه مما لا شبهة في فساده فإن ذلك مما يقدح في العدالة فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله الذين هم أمناؤه على وحيه وسفراؤه بينه وبين خلقه بصفة من لا تقبل شهادته وعلى حالة تنفر عن الاستماع إليه والقبول منه.

أقول: والقصة مأخوذة من التوراة غير أن التي فيها أشنع وأفظع فعدلت بعض التعديل على ما سيلوح لك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت