و أما كيفية الإسراء فظاهر الآية والروايات بما يحتف بها من القرائن ظهورا لا يقبل الدفع أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بروحه وجسده جميعا ، وأما العروج إلى السماوات فظاهر آيات سورة النجم كما سيأتي إن شاء الله في تفسيرها وصريح الروايات على كثرتها البالغة وقوعه ، ولا سبيل إلى إنكاره من أصله غير أنه من الجائز أن يقال بكونه بروحه لكن لا على النحو الذي يراه القائلون به من كون ذلك من قبيل الأحلام ومن نوع ما يراه النائم من الرؤى ، ولو كان كذلك لم يكن لما يدل عليه الآيات بسياقها من إظهار المقدرة والكرامة معنى ، ولا لذاك الإنكار الشديد الذي أظهرته قريش عند ما قص (عليه السلام) لهم القصة وجه ، ولا لما أخبرهم به من حوادث الطريق مفهوم معقول.
بل ذلك - إن كان - بعروجه (صلى الله عليه وآله وسلم) بروحه الشريفة إلى ما وراء هذا العالم المادي مما يسكنه الملائكة المكرمون وينتهي إليه الأعمال ويصدر منه الأقدار ورأى عند ذلك من آيات ربه الكبرى وتمثلت له حقائق الأشياء ونتائج الأعمال وشاهد أرواح الأنبياء العظام وفاوضهم ولقي الملائكة الكرام وسامرهم ، ورأى من الآيات الإلهية ما لا يوصف إلا بالأمثال كالعرش والحجب والسرادقات.
والقوم لذهابهم إلى أصالة الوجود المادي وقصر الوجود غير المادي فيه تعالى لما وجدوا الكتاب والسنة يصفان أمورا غير محسوسة بتمثيلها في خواص الأجسام المحسوسة كالملائكة الكرام والعرش والكرسي واللوح والقلم والحجب والسرادقات حملوا ذلك على كونها أجساما مادية لا يتعلق بها الحس ولا يجري فيها أحكام المادة ، وحملوا أيضا ما ورد من التمثيلات في مقامات الصالحين ومعارج القرب وبواطن صور المعاصي ونتائج الأعمال وما يناظر ذلك إلى نوع من التشبيه والاستعارة فوقعوا في ورطة السفسطة بتغليط الحس وإثبات الروابط الجزافية بين الأعمال ونتائجها وغير ذلك من المحاذير.
ولذلك أيضا لما نفى النافون منهم كون عروجه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السماوات بجسمه المادي اضطروا إلى القول بكونه في المنام وهو عندهم خاصة مادية للروح المادي واضطروا لذلك إلى تأويل الآيات والروايات بما لا تلائمه ولا واحدة منها.
قال في مجمع البيان ،: فأما الموضع الذي أسري إليه أين كان فإن الإسراء إلى بيت المقدس ، وقد نص به القرآن ولا يدفعه مسلم ، وما قاله بعضهم: إن ذلك كان في النوم فظاهر البطلان إذ لا معجز يكون فيه ولا برهان.
وقد وردت روايات كثيرة في قصة المعراج في عروج نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السماء ورواها كثير من الصحابة مثل ابن عباس وابن مسعود وأنس وجابر بن عبد الله وحذيفة وعائشة وأم هاني وغيرهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وزاد بعضهم ونقص بعض وتنقسم جملتها إلى أربعة أوجه.
أحدها: ما يقطع على صحتها لتواتر الأخبار به وإحاطة العلم بصحته.
وثانيها: ما ورد في ذلك مما يجوزه العقول ولا يأباه الأصول فنحن نجوزه ثم نقطع على أن ذلك كان في يقظته دون منامه.
وثالثها: ما يكون ظاهره مخالفا لبعض الأصول إلا أنه يمكن تأويلها على وجه يوافق المعقول فالأولى تأويله على وجه يوافق الحق والدليل.
ورابعها: ما لا يصح ظاهره ولا يمكن تأويله إلا على التعسف البعيد فالأولى أن لا نقبله.
فأما الأول المقطوع به فهو أنه أسري به على الجملة ، وأما الثاني فمنه ما روي أنه طاف في السماوات ورأى الأنبياء والعرش وسدرة المنتهى والجنة والنار ونحو ذلك.
وأما الثالث فنحو ما روي أنه رأى قوما في الجنة يتنعمون فيها وقوما في النار يعذبون فيها فيحمل على أنه رأى صفتهم أو أسماءهم ، وأما الرابع فنحو ما روي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلم الله جهرة ورآه وقعد معه على سريره ونحو ذلك مما يوجب ظاهره التشبيه ، والله سبحانه متقدس عن ذلك وكذلك ، ما روي أنه شق بطنه وغسله لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان طاهرا مطهرا من كل سوء وعيب وكيف يطهر القلب وما فيه من الاعتقاد بالماء.
انتهى.