فهرس الكتاب

الصفحة 3930 من 4314

و قيل: الحنث الذنب العظيم فتوصيفه بالعظيم مبالغة والحنث العظيم الشرك بالله ، وقيل: الحنث العظيم جنس المعاصي الكبيرة ، وقيل: هو القسم على إنكار البعث المشار إليه بقوله تعالى:"و أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت": النحل: 38 ، ولفظ الآية مطلق.

قوله تعالى:"و كانوا يقولون أ إذا متنا وكنا ترابا وعظاما أ إنا لمبعوثون أ وآباؤنا الأولون"قول منهم مبني على الاستبعاد ولذا أكدوا استبعاد بعث أنفسهم ببعث آبائهم لأن الاستبعاد في موردهم آكد ، والتقدير أ وآباؤنا الأولون مبعوثون.

قوله تعالى:"قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم"أمر منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيب عن استبعادهم البعث بتقريره ثم إخبارهم عما يعيشون به يوم البعث من طعام وشراب وهما الزقوم والحميم.

ومحصل القول إن الأولين والآخرين - من غير فرق بينهم لا كما فرقوا فجعلوا بعث أنفسهم مستبعدا وبعث آبائهم الأولين أشد استبعادا وآكد - لمجموعون محشورين إلى ميقات يوم معلوم.

والميقات ما وقت به الشيء وهو وقته المعين ، والمراد بيوم معلوم يوم القيامة المعلوم عند الله فإضافة الميقات إلى يوم معلوم بيانية.

قوله تعالى:"ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون"من تمام كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبرهم عما ينتهي إليه حالهم يوم القيامة ويعيشون به من طعام وشراب.

وفي خطابهم بالضالين المكذبين إشارة إلى ملاك شقائهم وخسرانهم يوم البعث وهو ضلالهم عن طريق الحق واستقرار ذلك في نفوسهم باستمرارهم على تكذيبهم وإصرارهم على الحنث ، ولو كانوا ضالين فحسب من غير تكذيب لكان من المرجو أن ينجوا ولا يهلكوا.

و"من"في قوله:"من شجر"للابتداء ، وفي قوله:"من زقوم"بيانية ويحتمل أن يكون"من زقوم"بدلا من"من شجر"، وضمير"منها"للشجر أو الثمر وكل منهما يؤنث ويذكر ولذا جيء هاهنا بضمير التأنيث وفي الآية التالية في قوله:"فشاربون عليه"بضمير التذكير ، والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم"كلمة"على"للاستعلاء وتفيد في المورد كون الشرب عقيب الأكل من غير ريث ، والهيم جمع هيماء الإبل التي أصابها الهيام بضم الهاء وهو داء شبه الاستسقاء يصيب الإبل فتشرب الماء حتى تموت أو تسقم سقما شديدا ، وقيل: الهيم الرمال التي لا تروى بالماء.

والمعنى: فشاربون عقيب ما أكلتم من الزقوم من الماء الشديد الحرارة فشاربون كشرب الإبل الهيم أو كشرب الرمال الهيم وهذا آخر ما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوله لهم.

قوله تعالى:"هذا نزلهم يوم الدين"أي يوم الجزاء والنزل ما يقدم للضيف النازل من طعام وشراب إكراما له ، والمعنى: هذا الذي ذكر من طعامهم وشرابهم هو نزل الضالين المكذبين ففي تسمية ما أعد لهم بالنزل نوع تهكم ، والآية من كلامه تعالى خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو كان من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطابا لهم لقيل: هذا نزلكم.

في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه وابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت إذا وقعت الواقعة ذكر فيها"ثلة من الأولين وقليل من الآخرين"قال عمر: يا رسول الله ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : تعال واستمع ما قد أنزل الله ثلة من الأولين وثلة من الآخرين". ألا وإن من آدم إلى ثلة وأمتي ثلة ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان رعاة الإبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: . قال السيوطي وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عروة بن رويم مرسلا وفيه ، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت"ثلة من الأولين وقليل من الآخرين"حزن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: إذن لا يكون من أمة محمد إلا قليل فنزلت نصف النهار "ثلة من الأولين وثلة من الآخرين"تقابلون الناس فنسخت الآية"و قليل من الآخرين"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت