و للقوم أقاويل في هذه الآيات نظير ما لهم في الآيات السابقة من الأقوال غير أن من أقوالهم في عليين أنه السماء السابعة تحت العرش فيه أرواح المؤمنين ، وقيل سدرة المنتهى التي إليها تنتهي الأعمال ، وقيل: لوح من زبرجدة تحت العرش معلق مكتوب فيه أعمالهم ، وقيل: هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة ، والكلام فيها كالكلام فيما تقدم من أقوالهم.
قوله تعالى:"يشهده المقربون"الأنسب لما تقدم من معنى الآيات السابقة أن يكون"يشهده"من الشهود بمعنى المعاينة والمقربون قوم من أهل الجنة هم أعلى درجة من عامة الأبرار على ما سيأتي استفادته من قوله:"عينا يشرب بها المقربون"فالمراد معاينتهم له بإراءة الله إياه لهم وقد قال الله تعالى في مثله من أمر الجحيم:"كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم": التكاثر: 6 ومنه يظهر أن المقربين هم أهل اليقين.
وقيل: الشهادة هي الحضور والمقربون الملائكة ، والمراد حضور الملائكة على صحيفة عملهم إذا صعدوا بها إلى الله سبحانه.
وقيل: المقربون هم الأبرار والملائكة جميعا.
والقولان مبنيان على أن المراد بالكتاب صحيفة الأعمال وقد تقدم ضعفه.
في تفسير القمي ، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزلت يعني سورة المطففين على نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قدم المدينة وهم يومئذ أسوأ الناس كيلا فأحسنوا الكيل.
وفي أصول الكافي ، بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن الله عز وجل خلقنا من أعلى عليين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه وخلق أبدانهم من دون ذلك فقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا ثم تلا هذه الآية"كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين - وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون". وخلق قلوب عدونا من سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك ، قلوبهم تهوي إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه ثم تلا هذه الآية"كلا إن كتاب الفجار لفي سجين - وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم - ويل يومئذ للمكذبين".
أقول: وروي مثله في أصول الكافي ، بطريق آخر عن الثمالي عنه (عليه السلام) ، ورواه في علل الشرائع ، بإسناد فيه رفع عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) : مثله ، والأحاديث - كما ترى - تؤيد ما قدمناه في معنى الآيات.
وفي تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"كلا إن كتاب الفجار لفي سجين"قال: ما كتب الله لهم من العذاب لفي سجين.
وفيه ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: السجين الأرض السابعة وعليون السماء السابعة.
أقول: الرواية لو صحت مبنية على انتساب الجنة والنار إلى جهتي العلو والسفل بنوع من العناية ولذلك نظائر في الروايات كعد القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار وعد وادي برهوت مكانا لجهنم.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيب قال: التقى سلمان وعبد الله بن سلام فقال أحدهما لصاحبه: إن مت قبلي فالقني فأخبرني بما صنع ربك بك وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك فقال عبد الله: كيف يكون هذا؟ قال: نعم إن أرواح المؤمنين تكون في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت ونفس الكافر في سجين والله أعلم.
وفي أصول الكافي ، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في تلك النكتة نكتة سوداء فإن تاب ذهب ذلك السواد ، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا وهو قول الله عز وجل:"كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون": . أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور ، عن عدة من أصحاب الجوامع عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وفيه ، بإسناده عن عبد الله بن محمد الحجال عن بعض أصحابنا رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا فإن الحديث جلاء للقلوب إن القلوب لترين كما يرين السيف وجلاؤه الحديث.
وعن روضة الواعظين ، قال الباقر (عليه السلام) : ما شيء أفسد للقلب من الخطيئة إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أسفله أعلاه وأعلاه أسفله.