نعم هاهنا حقيقة قرآنية لا مجال لإنكارها ، وهو أن دخول الإنسان في حظيرة الولاية الإلهية ، وتقربه إلى ساحة القدس والكبرياء يفتح له بابا إلى ملكوت السماوات والأرض يشاهد منه ما خفي على غيره من آيات الله الكبرى ، وأنوار جبروته التي لا تطفأ ، قال الصادق (عليه السلام) : لو لا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لرأوا ملكوت السماوات والأرض ، وفيما رواه الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لو لا تكثير في كلامكم وتمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع ، وقد قال تعالى:"و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين": العنكبوت: 69 ويدل على ذلك ظاهر قوله تعالى:"و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين": الحجر: 99 حيث فرع اليقين على العبادة ، وقال تعالى:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام: 75 فربط وصف الإيقان بمشاهدة الملكوت ، وقال تعالى:"كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين": التكاثر: 7 وقال تعالى:"إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون": المطففين: 21 وليطلب البحث المستوفى في هذا المعنى مما سيجيء من الكلام في قوله تعالى:"إنما وليكم الله ورسوله"الآية: المائدة: 55 وفي قوله تعالى:"يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم"الآية: المائدة: 150.
ولا ينافي ثبوت هذه الحقيقة ما قدمناه أن القرآن الكريم يؤيد طريق التفكر الفطري الذي فطر عليه الإنسان وبني عليه بنية الحياة الإنسانية ، فإن هذا طريق غير فكري ، وموهبة إلهية يختص بها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
ننظر فيه نظرا إجماليا في تاريخ التفكير الإسلامي والطريق الذي سلكته الأمة الإسلامية على اختلاف طوائفها ومذاهبها ، ولا نلوي فيه إلى مذهب من المذاهب بإحقاق أو إبطال ، وإنما نعرض الحوادث الواقعة على منطق القرآن ونحكمه في الموافقة والمخالفة ، وأما ما باهى به موافق وما اعتذر به مخالف فلا شأن لنا في الغور في أصوله وجذوره ، فإنما ذلك طريق آخر من البحث مذهبي أو غيره.
القرآن الكريم يتعرض بمنطقه في سنته المشروعة لجميع شئون الحياة الإنسانية من غير أن تتقيد بقيد أو تشترط بشرط ، يحكم على الإنسان منفردا أو مجتمعا ، صغيرا أو كبيرا ، ذكرا أو أنثى ، على الأبيض والأسود ، والعربي والعجمي ، والحاضر والبادي ، والعالم والجاهل ، والشاهد والغائب ، في أي زمان كان وفي أي مكان كان ويداخل كل شأن من شئونه من اعتقاد أو خلق أو عمل من غير شك.
فللقرآن اصطكاك مع جميع العلوم والصناعات المتعلقة بأطراف الحياة الإنسانية ومن الواضح اللائح من خلال آياته النادبة إلى التدبر والتفكر والتذكر والتعقل أنه يحث حثا بالغا على تعاطي العلم ورفض الجهل في جميع ما يتعلق بالسماويات والأرضيات والنبات والحيوان والإنسان ، من أجزاء عالمنا وما وراءه من الملائكة والشياطين واللوح والقلم وغير ذلك ليكون ذريعة إلى معرفة الله سبحانه ، وما يتعلق نحوا من التعلق بسعادة الحياة الإنسانية الاجتماعية من الأخلاق والشرائع والحقوق وأحكام الاجتماع.
وقد عرفت أنه يؤيد الطريق الفطري من التفكر الذي تدعو إليه الفطرة دعوة اضطرارية لا معدل عنها على حق ما تدعو إليه الفطرة من السير المنطقي.
والقرآن نفسه يستعمل هذه الصناعات المنطقية من برهان وجدل وموعظة ، ويدعو الأمة التي يهديها إلى أن يتبعوه في ذلك فيتعاطوا البرهان فيما كان من الواقعيات الخارجة من باب العمل ويستدلوا بالمسلمات في غير ذلك أو بما يعتبر به.
وقد اعتبر القرآن في بيان مقاصده السنة النبوية ، وعين لهم الأسوة في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانوا يحفظون عنه ، ويقلدون مشيته العلمية تقليد المتعلم معلمه في السلوك العلمي.