و الآية من غرر الآيات القرآنية تفسر معنى معرفة الله فإن قوله:"و يعلمون أن الله هو الحق المبين"ينبىء أنه تعالى هو الحق لا سترة عليه بوجه من الوجوه ولا على تقدير من التقادير فهو من أبده البديهيات التي لا يتعلق بها جهل لكن البديهي ربما يغفل عنه فالعلم به تعالى هو ارتفاع الغفلة عنه الذي ربما يعبر عنه بالعلم ، وهذا هو الذي يبدو لهم يوم القيامة فيعلمون أن الله هو الحق المبين.
وإلى مثله يشير قوله تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22.
قوله تعالى:"الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات"إلخ ذيل الآية"أولئك مبرءون مما يقولون"دليل على أن المراد بالخبيثات والخبيثين والطيبات والطيبين نساء ورجال متلبسون بالخباثة والطيب فالآية من تمام آيات الإفك متصلة بها مشاركة لها في سياقها ، وهي عامة لا مخصص لها من جهة اللفظ البتة.
فالمراد بالطيب الذي يوجب كونهم مبرءين مما يقولون على ما تدل عليه الآيات
السابقة هو المعنى الذي يقتضيه تلبسهم بالإيمان والإحصان فالمؤمنون والمؤمنات مع الإحصان طيبون وطيبات يختص كل من الفريقين بصاحبه ، وهم بحكم الإيمان والإحصان مصونون مبرءون شرعا من الرمي بغير بينة ، محكومون من جهة إيمانهم بأن لهم مغفرة كما قال تعالى:"و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم": الأحقاف: 31 ولهم رزق كريم ، وهو الحياة الطيبة في الدنيا والأجر الحسن في الآخرة كما قال:"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون": النحل: 97.
والمراد بالخبث في الخبيثين والخبيثات وهم غير المؤمنين هو الحال المستقذرة التي يوجبها لهم تلبسهم بالكفر وقد خصت خبيثاتهم بخبيثهم وخبيثوهم بخبيثاتهم بمقتضى المجانسة والمسانخة وليسوا بمبرءين عن التلبس بالفحشاء - نعم هذا ليس حكما بالتلبس -.
فظهر بما تقدم: أولا: أن الآية عامة بحسب اللفظ تصف المؤمنين والمؤمنات بالطيب ولا ينافي ذلك اختصاص سبب نزولها وانطباقها عليه.
وثانيا: أنها تدل على كونهم جميعا محكومين شرعا بالبراءة عما يرمون به ما لم تقم عليه بينة.
وثالثا: أنهم محكومون بالمغفرة والرزق الكريم كل ذلك حكم ظاهري لكرامتهم على الله بإيمانهم ، والكفار على خلاف ذلك.
في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما نزل الحجاب وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوته تلك وقفل.