في الآيات موعظتهم بالإرجاع إلى آثار الأمم الماضين وقصصهم للنظر والاعتبار فلينظروا فيها وليعتبروا بها ويعلموا أن الله سبحانه لا تعجزه قوة الأقوياء واستكبار المستكبرين ومكر الماكرين وتذكر منها من باب الأنموذج طرفا من قصص موسى وفرعون وفيها قصة مؤمن آل فرعون.
قوله تعالى:"أ ولم يسيروا في الأرض فينظروا"إلى آخر الآية الاستفهام إنكاري ، والواقي اسم فاعل من الوقاية بمعنى حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره.
والمعنى: أ ولم يسيروا هؤلاء الذين أرسلناك إليهم"في الأرض فينظروا"نظر تفكر واعتبار"كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم"من الأمم الدارجة المكذبين لرسلهم"كانوا هم أشد منهم قوة"أي قدرة وتمكنا وسلطة"و آثارا"كالمدائن الحصينة والقلاع المنيعة والقصور العالية المشيدة"في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم"وأهلكهم بأعمالهم"و ما كان لهم من الله من واق"يقيهم وحافظ يحفظهم.
قوله تعالى:"ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات"إلخ الإشارة بذلك إلى الأخذ الإلهي ، والمراد بالبينات الآيات الواضحات ، والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"و لقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين"لعل المراد بالآيات الخوارق المعجزة التي أرسل بها كالعصا واليد وغيرهما وبالسلطان المبين السلطة الإلهية القاهرة التي أيد بها فمنعت فرعون أن يقتله ويطفىء نوره ، وقيل: المراد بالآيات الحجج والدلالات وبالسلطان معجزاته من العصا واليد وغيرهما ، وقيل: غير ذلك.
قوله تعالى:"إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب"فرعون جبار القبط ومليكهم ، وهامان وزيره وقارون من طغاة بني إسرائيل ذو الخزائن المليئة؟ وإنما اختص الثلاثة من بين الأمتين بالذكر لكونهم أصولا ينتهي إليهم كل فساد وفتنة فيهما.
قوله تعالى:"فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه"إلخ مقايسة بين ما جاءهم به موسى ودعاهم إليه وبين ما قابلوه به من كيدهم فقد جاءهم بالحق وكان من الواجب أن يقبلوه لأنه حق وكان ما جاء به من عند الله وكان من الواجب أن يقبلوه ولا يردوه فقابلوه بالكيد وقالوا ما قالوا لئلا يؤمن به أحد لكن الله أضل كيدهم فلم يصب المؤمنين معه.
ويشعر السياق أن من القائلين بهذا القول قارون وهو من بني إسرائيل ولا ضير فيه لأن الحكم بقتل الأبناء واستحياء النساء كان قبل الدعوة صادرا في حق بني إسرائيل عامة وهذا الحكم في حق المؤمنين منهم خاصة فلعل قارون وافقهم عليه لعداوته وبغضه موسى والمؤمنين من قومه.
وفي قوله:"الذين آمنوا معه"ولم يقل: آمنوا به إشارة إلى مظاهرتهم موسى في دعوته.
قوله تعالى:"و قال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه"إلخ"ذروني"أي اتركوني ، خطاب يخاطب به ملأه ، وفيه دلالة على أنه كان هناك قوم يشيرون عليه أن لا يقتل موسى ويكف عنه كما يشير إليه قوله تعالى:"قالوا أرجه وأخاه:"الشعراء: - 36.
وقوله:"و ليدع ربه"كلمة قالها كبرا وعتوا يقول: اتركوني أقتله وليدع ربه فلينجه من يدي وليخلصه من القتل إن قدر.