فهرس الكتاب

الصفحة 4273 من 4314

97 سورة القدر - 1 - 5

بِّسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِنّا أَنزَلْنَهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِّنْ أَلْفِ شهْرٍ (3) تَنزّلُ الْمَلَئكَةُ وَالرّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبهِم مِّن كلِّ أَمْرٍ (4) سلَمٌ هِىَ حَتى مَطلَع الْفَجْرِ (5)

تذكر السورة إنزال القرآن في ليلة القدر وتعظم الليلة بتفضيلها على ألف شهر وتنزل الملائكة والروح فيها ، والسورة تحتمل المكية والمدنية ولا يخلو بعض ما روي في سبب نزولها عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم من تأييد لكونها مدنية.

قوله تعالى:"إنا أنزلناه في ليلة القدر"ضمير"أنزلناه"للقرآن وظاهره جملة الكتاب العزيز لا بعض آياته ويؤيده التعبير بالإنزال الظاهر في اعتبار الدفعة دون التنزيل الظاهر في التدريج.

وفي معنى الآية قوله تعالى:"و الكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة": الدخان: 3 وظاهره الإقسام بجملة الكتاب المبين ثم الإخبار عن إنزال ما أقسم به جملة.

فمدلول الآيات أن للقرآن نزولا جمليا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير نزوله التدريجي الذي تم في مدة ثلاث وعشرين سنة كما يشير إليه قوله:"و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا": إسراء: 106 وقوله:"و قال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا": الفرقان: 32.

فلا يعبأ بما قيل: إن معنى قوله:"أنزلناه"ابتدأنا بإنزاله والمراد إنزال بعض القرآن.

وليس في كلامه تعالى ما يبين أن الليلة أية ليلة هي غير ما في قوله تعالى:"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن": البقرة: 185 فإن الآية بانضمامها إلى آية القدر تدل على أن الليلة من ليالي شهر رمضان.

وأما تعيينها أزيد من ذلك فمستفاد من الأخبار وسيجيء بعض ما يتعلق به في البحث الروائي التالي إن شاء الله.

وقد سماها الله تعالى ليلة القدر ، والظاهر أن المراد بالقدر التقدير فهي ليلة التقدير يقدر الله فيها حوادث السنة من الليلة إلى مثلها من قابل من حياة وموت ورزق وسعادة وشقاء وغير ذلك كما يدل عليه قوله في سورة الدخان في صفة الليلة:"فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك": الدخان: 6 فليس فرق الأمر الحكيم إلا أحكام الحادثة الواقعة بخصوصياتها بالتقدير.

ويستفاد من ذلك أن الليلة متكررة بتكرر السنين ففي شهر رمضان من كل سنة قمرية ليلة تقدر فيها أمور السنة من الليلة إلى مثلها من قابل إذ لا معنى لفرض ليلة واحدة بعينها أو ليال معدودة في طول الزمان تقدر فيها الحوادث الواقعة التي قبلها والتي بعدها وإن صح فرض واحدة من ليالي القدر المتكررة ينزل فيها القرآن جملة واحدة.

على أن قوله:"يفرق"- وهو فعل مضارع - ظاهر في الاستمرار ، وقوله:"خير من ألف شهر"و"تنزل الملائكة"إلخ يؤيد ذلك.

فلا وجه لما قيل: إنها كانت ليلة واحدة بعينها نزل فيها القرآن من غير أن يتكرر ، وكذا ما قيل: إنها كانت تتكرر بتكرر السنين في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم رفعها الله ، وكذا ما قيل: إنها واحدة بعينها في جميع السنة وكذا ما قيل: إنها في جميع السنة غير أنها تتبدل بتكرر السنين فسنة في شهر رمضان وسنة في شعبان وسنة في غيرهما.

وقيل: القدر بمعنى المنزلة وإنما سميت ليلة القدر للاهتمام بمنزلتها أو منزلة المتعبدين فيها ، وقيل: القدر بمعنى الضيق وسميت ليلة القدر لضيق الأرض فيها بنزول الملائكة.

والوجهان كما ترى.

فمحصل الآيات - كما ترى - أنها ليلة بعينها من شهر رمضان من كل سنة فيها أحكام الأمور بحسب التقدير ، ولا ينافي ذلك وقوع التغير فيها بحسب التحقق في ظرف السنة فإن التغير في كيفية تحقق المقدر أمر والتغير في التقدير أمر آخر كما أن إمكان التغير في الحوادث الكونية بحسب المشية الإلهية لا ينافي تعينها في اللوح المحفوظ قال تعالى:"و عنده أم الكتاب": الرعد: 39.

على أن لاستحكام الأمور بحسب تحققها مراتب من حيث حضور أسبابها وشرائطها تامة وناقصة ومن المحتمل أن تقع في ليلة القدر بعض مراتب الأحكام ويتأخر تمام الأحكام إلى وقت آخر لكن الروايات كما ستأتي لا تلائم هذا الوجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت